|
الجزء
الثاني
المعالم
الأبخازية في يوركشاير
ـ
إذا سمحت لي أود أن أسأل بعض الأسئلة عن حياتك العائلية،
ترى ما هو مقدار النفوذ الثقافي الأبخازي الذي يسيطر على
بيتكم و بعبارة أخرى هل تعتقد أن زوجتك جلبت معها شيئا
من الثقافة الأبخازية؟
جورج
هويت ـ إنه سؤال على جانب كبير من الأهمية فزوجتي
تشعر أنها موزعة بين ثقافتين و أنا أيضا أشعر بذلك. رغم
هذا يمكنني القول أن هناك ملامح للثقافة الأبخازية في
يوركشاير حيث نعيش مثلا حسب تقاليد القسم الشمالي الغربي
في القفقاس، و في شركسيا أيضا كما أعتقد، لا تشير الزوجة
إلى الاسم الأول لزوجها خصوصا أمام الآخرين فزوجتي تقول
"ذلك" أو "الذي هناك" و لا تقول زوجي
جورج
ـ
إذن بماذا تناديك زوجتك؟
جورج
هويت ـ إنها تقول لي هويت
ـ
هل تناديك بذلك أمام أقربائها فقط؟
جورج
هويت ـ كلا، إنها تخاطبني بنفس الطريقة و إن لم يكن
هناك أحد. إن ذلك يعود إلى عدم الرغبة بنطق الاسم الأول
للزوج. علاوة على ذلك هناك أشياء تتوقع زوجتي الأبخازية
وجودها و تفاجأ عندما لا تجدها. مثلا عندما يدخل أحد ما
إلى الغرفة فإن العادة عند الأبخاز أن يقفوا إذا ما كانوا
جلوسا أو أن يقوموا بحركة تشبه القيام. و زوجتي حريصة
على هذا التقليد لكن نحن الإنجليز لا نتوقع من امرأة أن
تقف عندما ندخل إلى الغرفة. كما أن زوجتي تجد من الغرابة
بمكان ألا يقف لها أحد عندما تدخل و كذلك عندما يأتي الزائرون
و هي تعتقد أن هناك أمرا ما لا يسير على ما يرام
تقول
لي زوجتي أنها قدمت تنازلات للتقاليد الإنكليزية أكثر
مما قدمت أنا من تنازلات تجاه التقاليد الأبخازية
حتمية
التغيير
ـ
هل تشاركها الرأي؟
جورج
هويت ـ إنها محقة بالتأكيد. إلا أن السبب الذي يحول
بيني و بين تقديم تنازلات أكثر هو يقيني بأن بعض المظاهر
و التقاليد الأبخازية يجب أن تتغير. و أنا لا أقول هذا
للمرة الأولى الآن فقد قلته في السابق أيضا. فعلى سبيل
المثال أعتقد أنه يجب أن تتغير عادة الجلوس لمدة طويلة
إلى مائدة الشراب و هدر الوقت. لا أدري إذا ما كانت هذه
العادة سارية أيضا لدى الأبخاز في تركيا
تعرفون
بلا شك الطرفة التي تروى عن المجتمع السوفيتي الذي عاش
فيه الأبخازيون ما ينوف عن سبعين عاما و التي تقول : "نحن
نتظاهر بأننا نعمل و هم يتظاهرون بأنهم يدفعون".
أي أنها ليست مشكلة كبيرة أن يهدر الوقت في مجتمع لا يعمل
فيه أحد. و هكذا أهدر الكثير و الكثير من الوقت لأن المجتمع
لا يتوقع منك أكثر من ذلك أي "أن تتظاهر بأنك تعمل"
فقط. و لكن الأمور تختلف كثيرا في المجتمع الرأسمالي فأنت
تعمل و لا ترضى أن يضيع وقتك سدى
إحدى
المشاكل أيضا نراها بوضوح عند وفاة أحد ما فالوقت الذي
يهدر بين حدوث الوفاة و إنهاء الدفن كبير جدا: الحزن على
الميت ثم النواح، استقبال الضيوف و إطعامهم ثم العودة
إلى النواح و الأحزان ثانية الأمر الذي يتكرر يوم التشييع
و الدفن. برأي أن هذا يكلف الأبخازيين فوق طاقاتهم نظرا
للظروف الاقتصادية المرعبة التي يزرحون تحت وطأتها. هؤلاء
الناس يحتاجون إلى عمل
و
سأوضح هذا الأمر من خلال تجربة مررت بها بنفسي : في زيارتي
الأخيرة لأبخازيا قيل لي أن أحد الأكاديميين في معهد الدراسات
و البحوث في أبخازيا أراد أن يتناقش معي حول الطريقة المثلى
لطبع معجم للأبخازية و حول نوع المعلومات التي ينبغي أن
ترد فيه سيما إذا ما كان القارئ لا يعرف الأبخازية و يستهدف
الحصول على فهم كامل للتركيب اللغوي في هذه اللغة
عينا
يوما نلتقي فيه لنتعاون في تنسيق المعجم. في الموعد المحدد
ذهبت إلى المعهد اللغوي و لكن لم يكن هناك أحد من المسؤولين
لأن أحد الأعضاء السابقين في المعهد توفي قبل يوم و بطبيعة
الحال ذهب الجميع لأداء فرض الواجب. و عندما قلت :"
و ماذا عن الاجتماع اللغوي؟ إنه الأسبوع الأخير لي و أنا
لا أستطيع أن أحضر إلى هنا كل يوم" قالوا لي : لا
يمكن للاجتماع أن يتم لأن الجميع يشتركون في مراسم الجنازة
حسن
بالنسبة لي هذا أمر جيد أن نقدم الاحترام لمن يموت، و
لكن نحن أحياء و الحياة مستمرة و علينا أن نقوم بواجباتنا
و ما يلقى على عاتقنا من تبعات. كان يجب عقد الاجتماع
أولا و تأدية فروض الولاء و الاحترام ثانيا
هذا مثال واقعي يوضح أبعاد المشكلة إذ أن الأولويات لا
تحظى بالمكان اللائق بها. إذا أراد المجتمع الأبخازي النهوض
فعليه أن يتغير و يقتبس ما يلزمه من العالم المعاصر مهما
كان الوضع السياسي
أقول
صادقا أني لا أتوقع أن يرحب الأبخازيون بأفكاري و لا أعرف
مدى ردة الفعل التي حدثت عندما نشرت مقالتي التي طرحت
فيها هذه الأفكار إذ لم يخبرني أحد بأي شيء عن ذلك. على
كل هذه قناعاتي التي احتفظ بها منذ مدة طويلة
بالطبع
لا أحبذ أن يتغير المجتمع الأبخازي كليا لأن مثل هذا التغيير
الجذري سيمحو الملامح الأصلية للوجه الأبخازي، في الوقت
نفسه يجب أن تكون هناك مواقف تظهر فيها سيماء العمل الجاد.
يجب حتما أن يحدث تغيير
ـ
تعاني أبخازيا و منذ عام 1996 من الحصار الذي فرضته عليها
دول الكومنولث الأمر الذي يجعلها بعيدة عن التأثيرات الخارجية
التي غالبا ما تؤدي إلى حدوث تغيرات في المجتمع. برأيكم
ما هو تأثير هذا الحصار على المجتمع الأبخازي؟
جورج
هويت ـ أعتقد أن هذا المجتمع لن يتغير حتى تتاح الفرصة
لرياح التأثيرات الغربية أن تهب عليه. كما قلت تعاني أبخازيا
الكثير من هذا الحصار و كما تعلم فإن عدد الأبخاز الذين
يعيشون في أبخازيا الآن أقل من عدد الذين كانوا قبل الحرب.
و هناك بلدات كثيرة تحولت إلى مدن أشباح. القليل من فرص
العمل و القليل من المال. لهذا السبب يتوفر لدى الناس
الآن وقت أكثر مما كان لديهم في العهد السوفيتي. و الأبخاز
لا يشعرون بأي ضغط يحثهم على التغيير. لسوء الحظ فإن المجتمع
لم يتغير في الاتجاه الذي أفضله
كما
أن المجتمع الأبخازي أصبح أكثر كسلا إن صح التعبير و الناس
يتصفون بالمرح و اللامبالاة أكثر من اللازم. و آمل أن
تنفض النزاعات السياسية ليُسمح بدخول التأثير الغربي الذي
سيكون بمثابة قوة دفع تؤدي إلى التغيير
هذا
لا يعني أن الأبخازيين يجب أن يصبحوا غربيين و أنا لا
أرغب برؤية ذلك. إنني الآن منقسم على نفسي بين حضارتين
فهنالك بضعة أشياء في المجتمع الأبخازي تبدو لي بأنها
أحسن من المجتمع البريطاني أو الغربي بشكل عام. مثلا شعور
التوحد بين أفراد العائلة الأمر المفقود في إنجلترا. و
لا أعرف كيف الحال عندكم في تركيا لعله يشبه حال القفقاس
نحن
هنا في الغرب نود أن نكون مع أنفسنا أكثر مما نكون مع
العائلة. هنالك أشياء محببة يمتاز بها المجتمع الأبخازي
افتقدها في المجتمع الغربي الذي اعتدت عليه. لذلك أتمنى
ألا يصبح الأبخازيون غربيين في كل شيء، لكن أظن أن بعض
النفحات الغربية ضرورية لكي يُقَيِّموا مشاكلهم و يتخذوا
موقفا يتصف بالإيجابية أكثر
التأثير
الجورجي على أبخازيا واسع المدى
ـ
خلافا للوضع الراهن لها الآن لو كانت أبخازيا دولة معترف
بها دوليا أو بالعكس تماما جزءا من جورجيا بشكل أو بآخر
تُرى ما هو نوع التغيرات الاجتماعية التي كانت ستحصل؟
أو بعبارة أخرى كيف كانت عملية التحديث ستسير قدما لو
لم تندلع نيران الحرب؟
جورج
هويت ـ إنه سؤال هام جدا. أنا أعتقد، وفق السياق الذي
نتناقش فيه، أنه ليس هناك فرق بين أن تكون أبخازيا دولة
مستقلة أو تابعة لجورجيا بشكل ما. و السبب الذي دعاني
لأقول هذا هو ما قاله لي أحد أصدقائي الأبخازيين قبل بضعة
سنوات. فهذا الصديق يرى أن الأبخازيين هم و بشكل واضح
أحد شعوب شمال القفقاس و ينطقون لغة شمالي القفقاس، رغم
ذلك فإن نظرتهم للحياة أقرب إلى نظرة الجورجيين من نظرة
شعوب شمال القفقاس. لعل أحد الأسباب في ذلك هو تواصلهم
القريب بالجورجيين الذي تعود جذوره لسنين طوال. و يعرف
الجميع ما تتميز به الشخصية الجورجية من مرح و طيبة قلب
و نرى شطرا من هذه الشخصية لدى الأبخازيين إلى حد ما على
حين أن بقية سكان شمال القفقاس أكثر تحفظا
و
يضيف صديقي الأبخازي أن جورجيا كانت في العهد السوفيتي
مشرعة الأبواب لاستقبال الزوار أما شمال القفقاس فكان
مكانا لا يزوره الأجانب إلا قليلا. إضافة إلى ذلك فإن
كون الشعب الجورجي اجتماعي و ميال بطبعه للتسلية و كون
جورجيا مفتوحة للتأثيرات الخارجية كان من العوامل التي
أثرت على وجهة النظر الأبخازية. أعتقد أني أوافق على رأي
هذا الصديق
بعد
انتهاء الحرب و بين عامي 1992 ـ 1995 قرر بعض أبخاز تركيا
العودة إلى وطنهم و البدء بحياة جديدة هناك، لكن و للأسف
الشديد كان في انتظارهم الكثير من المصاعب
جميعنا
نعرف جيدا أن عودة الأبخازيين إلى وطنهم أمر جيد و بأن
وجود مهجر أبخازي يقلص عدد الأبخازيين في أبخازيا. إنه
لأمر رائع أن يعود الكثير من الأبخازيين إلى القفقاس ليزيدوا
من عدد الأبخازيين في موطنهم. لكن رغم هذا يجب ألا ننسى
أن المهجر القفقاسي الذي تشكل أواخر القرن التاسع عشر
قد نشأ و ترعرع في تركيا على العادات و التقاليد التركية
في حين أن قسما كبيرا من أولئك الذين بقوا في القفقاس
تربى على التقاليد السوفيتية لذلك كان هناك فرق بين أبخاز
أبخازيا و الوافدين من تركيا. فعلى الرغم من أن كلاهما
كان يتحدث اللغة نفسها إلا أن نظرتهم للحياة كانت مختلفة
مما سبب حدوث مشاكل
و
بسبب هذه المشاكل، و ليس فقط بسبب الحظر، أعرض الكثيرون
عن العودة إلى أبخازيا. إن ذلك أمر يدعو للرثاء إذ كان
بالإمكان معالجة الأمر لو كانت الأوضاع على ما يرام و
لو كانت الظروف مثالية. فلو حل السلام و عاد الازدهار
الاقتصادي للبلاد لتسنى حينها للأبخازيين أن يعيروا اهتماما
أكثر للتعليم من أجل مد جسور التفاهم بين الجماعتين
هذه
هي إجابتي على سؤالك. و أنا أعتقد أنه يجب إرساء دعائم
سلام دائم سواء في أبخازيا مستقلة أو تابعة لجورجيا بشكل
ما. بهذا فقط يمكن أن تجد التأثيرات الخارجية طريقها إلى
المجتمع الأبخازي لتحدث فيه التغيرات اللازمة
|