|
الجزء
الثالث و الأخير
الأبخازيون
ليسوا لعبة بيد الكرملن
يُشاع
منذ بضعة سنوات أن الأبخازيين ليسوا سوى لعبة بيد الكرملن،
لكن برأي أن هذا الاعتقاد ليس سوى مغالطة و سوء فهم. فلو
أراد بوتين الحصول على تنازلات منهم فإنهم لن يقدموها
ما لم تكن في مصلحتهم
ـ
ازدادت حدة التوتر في المنطقة منذ دخول القائد الشيشاني
روسلان غيلاييف إلى مضيق كودور شهر أيلول 2001 و حتى الآن
و أعدت سيناريوهات عن توقع شن جورجيا هجوما جديدا على
أبخازيا. برأيكم ما هي إمكانية حدوث مثل هذا الاحتمال
و هل ترون أنه من الممكن أن تكرر جورجيا ما فعلته عام
1992 سيما أن مجرى الأحداث اليوم مختلف عما كان عليه عام
1992 حيث توجد الآن في المنطقة قوات الأمم المتحدة و قوات
حفظ السلام الروسية؟
جورج
هويت ـ إني أوافق الرأي القائل بأنه من المحتمل أن
تكون بعض الأوساط الجورجية تخطط جيدا لمغامرة عسكرية ليس
كما حدث عام 1998 في منطقة غال و حسب بل لغزو مشابه لذلك
الذي حصل عام 1992. و أنا أعتقد أن وقوع احتمال كهذا ممكن
بالتأكيد. و يجب ألا يغيب عن بالنا أن الرئيس الجورجي
يحظى بمكانة مرموقة لدى بعض الأوساط الغربية. لكن لدي
القناعة في الوقت نفسه بأن الوضع الآن مختلف بسبب وجود
المراقبين الغربيين فالتواجد الدولي هناك يجعل من الصعوبة
بمكان على جورجيا أن تشن هجوما شاملا على أبخازيا
كما
أن أحد المخاطر الماثلة للعيان هي إمكانية انسحاب قوات
حفظ السلام أو تحركها من إنغور إلى غال، كما تريد جورجيا،
فهذا سيسمح للفعاليات الإرهابية أن تتقدم من 30 ـ 35 كم
شمالا
و
إذا ما انسحبت قوات حفظ السلام فإن مراقبي الأمم المتحدة
أيضا سيغادرون المنطقة و هؤلاء لا يراقبون فقط المناطق
الحدودية بين أبخازيا و جورجيا بل يتابعون أيضا كل حركة
من تحركات قوات حفظ السلام
طالما
استمر تواجد مراقبي الأمم المتحدة في المنطقة فإنه من
الواضح أن الجورجيين لن يتمكنوا من تكرار ما فعلوه عام
1992. لكن و مع هذا قرأت قبل يومين مقالة نشرت على صفحة
"معهد المبلغ عن الحرب و السلم" على الأنترنيت
كتبها "توم دي وال" يقول فيها أن جيلا جديدا
لا يتذكر أهوال الحرب يظهر الآن في جورجيا و بأن مغامرة
عسكرية جديدة ستلوح في الأفق بعد بضعة سنوات. من يدري؟
ربما يحدث هذا بالفعل
أعتقد
أن أهم ما هنالك أنه يجب علينا، إذا ما كنا نريد إرساء
دعائم سلام دائم، ألا نتوقع من الأبخازيين قبول اقتراح
التمتع بحد أقصى من الحكم الذاتي داخل جورجيا، الأمر الذي
يعرضه عليهم الجورجيون الآن و كأن شيئا لم يكن. لأن أبخازيا
بالأساس كانت تتمتع بأكبر قدر من هذا الحكم الذاتي عندما
مات الآلاف في الحرب و دمرت البلاد. كيف يمكن لنا أن نتوقع
منها أن تعود ثانية إلى ذلك. حتى لو قلنا "حسن فلتعد
أبخازيا إلى ما كانت عليه" فهناك احتمال أن تحاول
جورجيا تكرار ما فعلته آنفا
ـ
ما الذي تقترحونه؟
جورج
هويت ـ يجب أن يكون هناك مفهوم *
(تنازل) الأغلبية. يرى الجورجيون أنهم هم الذين يشكلون
الأغلبية و الأبخاز الأقلية. المنطق نفسه ينطبق على المشكلة
الشيشانية التي لن تحل ما لم يحصل نوع من التنازل و الكرم
من جانب روسيا التي تشكل الأغلبية
قيل
لي قبل بضعة سنوات:"لماذا لا تهتم بشؤونك و تقول
لـ مارغرت تاتشر ما ينبغي عمله في ايرلندا الشمالية و
ألا أتدخل بمحاضراتي لأخبر جورجيا عما يجب أن تفعله في
أبخازيا؟". في الحقيقة إن المنطق الذي تحدثت عنه
آنفا ينطبق أيضا على مشكلة ايرلندا الشمالية إذ إنك تحتاج
للكرم و لتنازل الأغلبية للأقلية. فهناك يجب أن تتنازل
أغلبية الشعب التي هي من المذهب البروتستانتي للأقلية
الكاثوليكية. إلا أن البروتستانت لم يكونوا مستعدين لتقديم
مثل هذا التنازل بالطبع
حتى
يحين الوقت و نحصل على هذه التنازلات فإن أتون الصراع
ستحتدم في العالم. و لسوء الحظ فإنك إذا ما كنت اليوم
في نظامنا السياسي دولة أو دولة عضوة في الأمم المتحدة
فإن أهم ما هنالك بالنسبة لقادة الدول هو مسألة الحدود
الإقليمية. و قد اعتُرف بجورجيا على أساس أن أبخازيا جزء
منها و لذلك يجب على هذه الأخيرة أن تبقى ضمن الحدود المرسومة
لها. سواء كانت جورجيا ستحافظ على هذه الحدود أم لا فإنه
ينبغي عليها أن تقدم لأبخازيا حقوقا أكثر بكثير من تلك
التي كانت تتمتع بها أثناء العهد السوفيتي
"الأبخازيون
ليسوا لعبة بيد الكرملن"
ـ
هل تعتقد أن العرض الذي تقدمت به الأمم المتحدة مؤخرا
لتسوية الصراع الأبخازي ـ الجورجي من الممكن أن يستعمل
كوسيلة للضغط على أبخازيا؟
جورج
هويت ـ لا أعتقد ذلك. إن الأبخازيين يتمسكون بوجهة
نظرهم التي مفادها أنهم حاربوا من أجل أرضهم و أنهم يسيطرون
عليها و يقولون:"مع أنه ليست لدينا البنية التحتية
أو المال أو الكثير من الفرص إلا أننا لا زلنا نرابط هنا.
إنها أرضنا و نحن لن نجوع أبدا لأن أبخازيا أرض خصبة و
ذات محاصيل وفيرة". و برأي أنه مهما زاد الضغط عليهم
فإن الأبخازيين هم في النهاية الذين سيعطون بأنفسهم القرارات
المتعلقة بهم
يُشاع
منذ بضعة سنوات أن الأبخازيين ليسوا سوى لعبة بيد الكرملن،
لكن برأي أن هذا الاعتقاد ليس سوى مغالطة و سوء فهم. فلو
أراد بوتين الحصول على تنازلات منهم فإنهم لن يقدموها
ما لم تكن في مصلحتهم
ـ
حسن هل تعتقد أن التواجد الأمريكي في جورجيا سيمكّن الجورجيين
من الحصول على اليد العليا في صراعهم مع أوسيتيا الجنوبية
أو أبخازيا أو كليهما معا؟
جورج
هويت ـ لقد طرح هذا السؤال على وزير الدفاع الجورجي
أثناء مؤتمر صحفي عقده في الولايات المتحدة الأمريكية
قبل بضعة أيام. و أجاب عليه بقوله أن القوات الأمريكية
ليست في جورجيا من أجل التدخل بشؤون تتعلق بأبخازيا. و
نأمل ألا يكون الأمريكيون على هذه الدرجة من السذاجة ليورطوا
أنفسهم في مثل هذا الأمر
إذا
ما كان الأمريكيون سذج لدرجة أن يصدقوا أن أعضاء من تنظيم
القاعدة يتواجدون في أبخازيا، كما قال رئيس الحكومة الأبخازية
المزعومة في المهجر تاماز ناديراشفيلي في الزيارة التي
قام بها مؤخرا لأوربا، و إذا ما صدقوا هراء كهذا فإنه
ليس بوسع أحد حينها أن يعرف ما الذي ستفعله أمريكا الأمريكيون
هم الأمريكيون. لنأمل ألا يكونوا هناك من أجل هذا الهدف
لقد
استطاعت أبخازيا أن تحافظ على وضعها السياسي حتى الآن
و استطاع الأبخازيون استخدام الورقة الروسية لكبح جماح
الجورجيين و على الرغم من مرضه استطاع الرئيس الأبخازي
فلاديسلاف أردزنبا توحيد الشعب وراءه. إلا أننا نلاحظ
أيضا وجود حركة معارضة متزايدة ضد السياسة التي يتبعها
رئيس الوزراء إنري جيرغينيا
نشوب
صراع داخلي في أبخازيا احتمال ضئيل
ـ
على ضوء آخر التطورات السياسية الجارية في المنطقة ما
هو المستقبل الذي تتنبأ به لأبخازيا كدولة مستقلة عندما
يحتجب أردزنبا عن الساحة السياسية؟
جورج
هويت ـ من الصعوبة بمكان الإجابة على هذا السؤال.
و الأمر نفسه ينطبق على جورجيا أيضا فالناس يتساءلون ما
الذي سيحدث إذا ما غاب شيفرنادزة عن مسرح الأحداث طوعا
أو كرها؟
لقد
أعلن الأبخازيون استقلالهم عام 1998 و أعتقد أنه في غاية
الصعوبة أن ينكثوا عهدهم. إن وجود أردزنبا أو غيابه عن
المشهد السياسي لا يحمل تلك الأهمية الكبرى. بالطبع ستظهر
بعض الشخصيات على الساحة. على كل دعنا من هذا الآن و أعتقد
أنه من الممكن لنا أن نقول أن الجميع لا يؤيد إعطاء جيرغينيا
منصبا بارزا إلى هذا الحد في أبخازيا. كما بوسعي القول
أني لا أعتقد أن يكون الأبخازيون من ذلك النوع من المجتمعات
التي تنقلب على بعضها البعض و تخوض صراعا داخليا
يشيع
بعض الجورجيين منذ سنين خلت أمرا يتمنون حدوثه ألا و هو
احتدام النزاع بين مجموعة بزيب الأبخازية الشمالية و إبجيفا
الجنوبية. و كما تعرفون فإن أردزنبا من المنطقة الشمالية
التي لم تعان كثيرا من ويلات الحرب كما عانى أهل الجنوب.
مع ذلك فإني لا أتوقع حدوث مثل هذا الانشقاق في أبخازيا.
و في حال قام أحد ما لأن نفسه سولت له أمرا فإن الرد عليه
سيكون الآتي :"انتبه! هذا هو بالضبط ما يريد أعداؤنا
حدوثه. تذكر فقط ما حدث عامي 1992 ـ 1993. إننا لن نسمح
بحدوث انقسام في مجتمع صغير مثل مجتمعنا"
بالنسبة
للشخصيات فإننا سنرى أنها ستتغير في غضون السنوات المقبلة
على كلا جانبي الحدود
ـ
برأيكم كيف يجب النظر إلى الأحداث التي شهدها مضيق بانكيسي
الجورجي مؤخرا؟
جورج
هويت ـ بالتأكيد يوجد شيشانيون في بانكيسي إذ يعيش
هناك قوم "الكيست" الشيشاني منذ قرن أو نحو
ذلك و يبلغ عددهم حوالي العشرة آلاف. و من الطبيعي أن
ينزح اللاجئون الشيشانيون عبر الجبال قادمين إلى إخوانهم
القاطنين هنا بسبب ما تعيشه الشيشان الآن. و طبعا يوجد
بينهم عدد من المقاتلين. إلا أني لا أعتقد أن هناك ممثلون
من القاعدة أتوا من أفغانستان إلى بانكيسي، إن مثل هذا
الاحتمال كلام فارغ
توجد
فعاليات إجرامية في المنطقة الشيشانيون متورطون ببعضها.
و المشاكل الإجرامية تنتشر في جميع أرجاء جورجيا. و قد
كان لهذه الأخيرة يد في ذلك بقدر ما كان لغيرها. في الحقيقة
هذا الخلل الأمني يجتاح القفقاس بأسره و يمكننا القول
أنه من العسير أن نتمتع بالسلام في منطقة تعج بالقوميات
المختلفة
قيل
لي في الآونة الأخيرة أن كل ما نحتاج إليه هو مجموعة من
ضباط الشرطة النزيهين الشرفاء كي ينتشروا في الشعاب و
المضائق الجبلية لحفظ الأمن و القيام بواجباتهم على أحسن
ما يرام و عندئذ لا تبقى حاجة لاستقدام الفرق العسكرية
الأمريكية و المسألة في نظري ليست مسألة إرهاب بقدر ما
هي مسألة إجرام
و
على مستوى الحدود فأنا أعتقد أن أفضل حل بالنسبة للوضع
في جنوب القفقاس هو نشوء نظام فدرالي أو كونفدرالي يضم
الدول الثلاثة المعنية و هي جورجيا، أذربيجان و أرمينيا.
إن ذلك سيكون في مصلحتها. عندما تتشكل هذه الجمعية التضامنية
بين الدول الثلاثة فإن المناطق الصغيرة التي تسبب مشاكل
فردية أي إقليم كاراباغ الجبلي و أبخازيا و أجاريا و أوسيتيا
الجنوبية ستشعر بالأمان لأنها تشكل جزءا من كيان أكبر
يبدو
لي أنه طالما تابعت هذه الدويلات طريقة تفكيرها القديمة
في الوضع القومي و وحدة الأراضي فإن المنطقة ستكون عرضة
للنزاعات في المستقبل
لو
مارس أحدهم ضغطا على سكان هذه المنطقة لأدركوا مزايا التعاون.
عندئذ سيسود الاستقرار و يحصل التقدم المرغوب فيه : سيتناقص
نفوذ إيران و تركيا و روسيا و أمريكا في المنطقة و سيفسح
المجال لتكوين أساس مثالي للدولة المستقبلية في شمال القفقاس.
بعدئذ يمكن تأسيس السوق المشتركة
رغبتي
الوحيدة هي أن أرى تلك اللغات في حيز الوجود
ـ
سؤالي الأخير سيكون أيضا حول أبخازيا: ما هو المستقبل
الذي تتوقعونه لهذه الجمهورية و ما المستقبل الذي تريد
أن تراه لها؟
جورج
هويت ـ أولا أنا لست أبخازيا و ينصب اهتمامي على المنطقة
من حيث المنظار اللغوي و مدى قابلية هذه التجمعات على
الاستمرار في إحياء لغاتها. سأشعر بالسعادة إذا ما عثرت
هذه التجمعات على أسلوب للحياة يكفل لها البقاء جميعا.
هذا هو نطاق اهتمامي. بالنسبة لي سيان أن تكون مستقلة
أو أن يكون لها نوع من الارتباط مع جورجيا أو روسيا فجل
ما أريده هو أن يكتب لهذه المجتمعات البقاء. هذا هو أهم
شيء بالنسبة لي و يقع على كاهلهم أن يجدوا الحلول الملائمة
لوضعهم
لقد
بدأت خطابي المشهور الذي فتح لي باب المشاكل مع جورجيا
عام 1989 كما يلي:"إن أي أبخازي ينوي الانفصال عن
جورجيا بحاجة لمن يفحص له قواه العقلية". عندما وصلت
هذه الكلمات للأبخازيين لم ترق لهم أبدا فما كانوا يريدوه
في تلك المرحلة هو الاستقلال عن جورجيا، و قالوا :"ما
كان ينبغي لجورج أن يتفوه بمثل هذا الكلام". و لكن
عندما أدركوا أن ما عنيته ككل كان في صالحهم أصبح في مقدورهم
أن "ينسوا" كلمات الافتتاحية
لقد
قلت ذلك لأني كنت أستطيع أن أرى بوضوح أن ردة الفعل الجورجية
ستكون عنيفة لدى ظهور أية بوادر لانفصال أبخازيا عنها
و كان هذا هو السبب الكامن وراء كلامي و ليس لأني لا أريد
أن أرى أبخازيا دولة مستقلة
أكرر
ثانية أن الأمر مرهون بيد الأبخازيين و هم عزموا على نيل
الاستقلال. عليهم أن يحققوا ما تختلج به قلوبهم. إن جل
ما أتمناه هو أن تتناغم هذه المجتمعات المختلفة بانسجام
كي يكتب للغاتها الدوام، فأنا عالم لغوي و قد تعرفت على
القفقاس بتعلم لغاتها و ينصب اهتمامي عليه من خلال اللغات
و ليس الناس
ـ
نشكرك جزيل الشكر باسم وكالة أنباء القفقاس لأنك سمحت
لنا أن نأخذ من وقتك الثمين
جورج
هويت ـ العفو
إضافة المترجم *
|