لم يعد لدى بوتين حجة الآن

بقلم : فهيم طاشتكين

حتى الآن كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يجيب على دعوة نخبة السياسيين الروس و منظمات حقوق الإنسان له للتفاوض مع الجانب الشيشاني بشكل فظ للغاية بقوله :"أنّى لي أن أتفاوض مع حفنة من العصاة المتمردين"

في الحقيقة كانت عدم الوحدة في الصفوف الشيشانية المناضلة ضد الغزو الروسي مشكلة خطيرة للغاية إذ كانت تحول دون توحيد القوى لمواجهة الآلة العسكرية الروسية و تضعف المقاومة الشيشانية. إلا أن الوضع الآن قد تغير فالرئيس الشيشاني أصلان مسخادوف و القائد الشهير شامل باساييف و مولادي أودوغوف، و هما من المعارضة، أصبحوا جميعهم على جبهة واحدة بعد أن كان هناك نوع من التصادم فيما بينهم إثر دخول باساييف إلى داغستان عام 1999

خطوة أخرى قام بها مسخادوف من أجل توحيد الجبهة الشيشانية و هي تعيينه زليمخان ياندربيف، و هو من حركة الشورى، ممثلا خاصا له في الدول الإسلامية ليستعيد بذلك المهمة التي كانت موكلة له في بداية الحرب. و قد نشرت وكالة الأنباء الشيشانية الرسمية شيشان برس قرار مسخادوف هذا في العاشر من تموز الماضي

أيضا و أثناء القمة التي عقدتها لجنة الدفاع الشيشانية في الفترة الواقعة بين 27 حزيران ـ 4 تموز 2002 تشكلت اللجنة العسكرية بهدف تحقيق الوحدة و التنسيق بين كافة الوحدات المشاركة في النضال في الشيشان. و عُين رئيسا لهذه اللجنة شامل باساييف. و كانت أبرز المفاجآت التي طالعتنا بها القمة هي تعيين هذا الأخير مساعدا للقائد الأعلى أصلان مسخادوف

في الحقيقة لقد ظهر عزم مسخادوف على جمع كافة القادة الشيشانيين حوله عندما دعا روسلان غيلاييف للعودة إلى الشيشان و المشاركة في النضال ضد القوات الروسية. إلا أن هذا الخبر لم يسترع الكثير من الاهتمام لأنه جاء على لسان المصادر الروسية

و من المعروف أن غيلاييف يتواجد في جورجيا منذ مدة و قد قيل أنه غادر شهر تشرين الأول من العام الماضي مضيق بانكيسي مع مجموعة من الجورجيين متوجها إلى سوتشي عبر أبخازيا و بأنه ينوي فتح جبهات قتالية جديدة في المناطق الأخرى من روسيا. كما قيل أيضا أنه دخل بهذا الهدف مضيق كودور الأبخازي الواقع تحت سيطرة تفليس حيث وقعت اشتباكات بينه و بين القوات الأبخازية في غولريبش أسفرت عن مقتل العديد من كلا الجانبين و حتى إصابته هو نفسه بجراح و عودته إلى بانكيسي بعد مدة. بناء على هذه التطورات صرح مسخادوف أن الحكومة الشيشانية لا تتحمل أية مسؤولية عن الاشتباكات التي تسبب بها روسلان (حمزات) غيلاييف و أصدر تصريحا رسميا حول هذا الصدد أكد فيه أن غيلاييف لا يمثل الشيشانيين أو الحكومة الشيشانية

كان بعض ما جاء في القرار رقم 545 الصادر بتاريخ 22 تشرين الثاني 2000 ما يلي :"إن الجنرال حمزات غيلاييف مذنب لتسببه بمقتل مئات من مناضلينا بسبب سوء إدارته الوحدات لدى الدفاع عن الوحدة السكنية كومسومولسكوية. لم تقع خسائر كهذه في صفوفنا في أية مرحلة من الحرب الروسية ـ الشيشانية الثانية. في غضون الأشهر الماضية لم يؤدِ قائد الجبهة الجنوبية ـ الغربية غيلاييف مهمته و اتخذ قرارا بمفرده دون السؤال عن أي شئ أو الرجوع إلى القائد الأعلى حتى و لو عن طريق وسيط. لقد ذهب مع قسم من الوحدات إلى دولة مجاورة و غادر ساحة القتال مبديا جبنا. استنادا إلى ما ورد أعلاه و مستخدما الحقوق التي يخولني بها دستور جمهورية الشيشان ـ إتشكيريا و باسم الله الرحمن الرحيم رب العالمين أعزل حمزات غيلاييف من منصبه و أخلع عنه رتبة الجنرال لينزل إلى رتبة جندي. و بصفتي كقائد عام أسحب منه حق الدفاع عن الوطن"

لم يغادر غيلاييف جورجيا لفترة طويلة و يعتزم الآن العودة إلى الشيشان و في حال تمكن من ذلك ستتوحد صفوف المقاتلين الشيشانيين مجددا

آخر ما هنالك كان تعيين مسخادوف أحد الأسماء المعارضة له و هو مولادي أودوغوف، الذي يلقبه الروس بـ غيبيلس الشيشاني (غيبيلس بول جوزيف وزير الإعلام لهتلر)، رئيسا للجنة الإعلام الخارجية. و كذلك إعطائه وكالة أنباء قفقاس ـ سنتر، التابعة لحركة الشورى المعارضة لمسخادوف، حق نشر التصريحات الرسمية للجمهورية الشيشانية مثلها مثل وكالة الأنباء الشيشانية الرسمية شيشان برس

كانت الذريعة التي يتحجج بها بوتين ردا على دعوة العديد من الدول الغربية و الولايات المتحدة الأمريكية و منظمة حقوق الإنسان الروسية ميموريال و الجناح الراديكالي في الدوما للتفاوض مع مسخادوف هي أن هذا الأخير لا يمثل الشيشانيين. و كانت هذه الحجة تدعم موقف جناح الصقور في روسيا و تضعف الجبهة المؤيدة للتفاوض مع الشيشانيين

لدى حديثه لصحيفة الـ كومرسانت الروسية بتاريخ 29 آب 2002 قال نائب رئيس الوزراء أحمد زاكاييف :"لقد أظهر مسخادوف أنه يسيطر على الوضع في الشيشان بتوحيده كافة القوى المناضلة ضد روسيا. أعتقد أنه من الواضح أن مسخادوف هو الشخص الوحيد الذي ستحاوره روسيا عندما ستنوي اللجوء إلى الحوار السياسي"

نعلم جميعا كيف بذلت روسيا كل ما في وسعها بعد أحداث 11 أيلول لتدخل الشيشانيين في نطاق "الإرهابيين الدوليين" مما دفع الإدارة الأمريكية لتوصية حكومة مسخادوف بـ "الابتعاد عن المجموعات التابعة لتنظيم القاعدة" كما أعربت واشنطن لمسخادوف بشكل أو بآخر عن الانزعاج الذي تشعر به بسبب وجود خطّاب و رفاقه في الشيشان. بعد ذلك بفترة أعلن الجانب الروسي نبأ مقتل خطّاب. و قد أعطى ذلك الولايات المتحدة الأمريكية وسيلة للضغط على روسيا من أجل التوصل لحل سياسي للنزاع في الشيشان

من جهة أخرى أتاح هذا الأمر الفرصة لحكومة بوتين لتقول للشعب الروسي: لقد انتهينا من هذا الأمر بعد أن أقنعته بضرورة الحرب في الشيشان بحجة أنها "حرب لمكافحة الإرهاب"

يرى الكرملن أنه لا يزال هناك "شيشان لا تستسلم" حتى الآن رغم مقتل 80 ألف شيشاني و من الواضح أن بوتين يحاول إعداد الرأي العام و التخلص بأقرب وقت من الورطة التي وقع فيها في الشيشان بأقل خسارة ممكنة لهيبته و اعتباره

لقد تزايد عدد الروس المؤيدين للسلام في الشيشان مقارنة بما كان عليه في السابق إذ أظهر استفتاء للرأي جرى مؤخرا أن هذه النسبة وصلت الآن إلى 60 في المائة

ليس أمام بوتين خيار آخر سوى مسخادوف الذي يمثل الشيشان جميعها. و هذه الوحدة على الجبهة الشيشانية ستضعف أكثر و أكثر موقف أحمد قاديروف الذي عينه الكرملن رئيسا للحكومة الموالية له في الشيشان

من المتوقع أن ينفذ الشيشانيون في المرحلة الأولى هجمات كبيرة تدفع الجانب الروسي للجلوس إلى طاولة المفاوضات و في المرحلة الثانية هجوم شامل و بدء التفاوض بين الجانبين

كان موقف مسخادوف على طاولة المفاوضات سيكون أضعف بالأمس لعدم وجود باساييف إلى جانبه، أما اليوم فقد غدا موقفه أقوى بعد أن أصبح و باساييف جنبا إلى جنب. و بهذا الشكل أصبحت ذريعة "مع أية مجموعة شيشانية سأتفاوض" التي كان يتحجج بها بوتين ذريعة باطلة

الجمعة 06 أيلول 2002