إحياء
ذكرى التهجير
بقلم
: فهيم طاشتكين
كان ستاش
يورا ينظر هذه المرة إلى البحر الأسود من الضفة الأخرى
و في الأفق البعيد وطنه القفقاس
كان ينظر إلى البحر و كأنه يقتفي بعينيه أثر جميع أقربائه الذين
هُجروا حتى اليوم
لم يشعر يورا بزخم مشاعر تهجير عام 1864 بهذا الحد مثل الآن،
ذلك التاريخ الذي يحيي أحفاد المهجرين ذكراه اليوم هنا في تركيا
إحدى الأماكن التي هُجّر إليها أجدادهم قبل 138 عاما
و ستاش
يورا حضر مطلع الشهر الحالي من مايكوب إلى اسطنبول ليفتتح معرضا
للأزياء القفقاسية التي تُعبّر عن السلام و الشرف و العيش المشترك
و المحبة
 |
|
على
شاطئ البحر الأسود في كفكن
|
و قد توجه
بالأمس و مجموعة من أحفاد الشراكسة المهجرين إلى "كفكن"
لإحياء ذكرى التهجير الكبير
و ما كفكن
إلا رمز، مجرد رمز للمأساة الرهيبة
إنها إحدى الشواطئ التي شهدت ذكرى ذلك التاريخ شأنها كشأن ترابزون،
سامسون، أوردو، سينوب، فارنا، بورغاز، كوستينجة، اسطنبول
لقد مات عشرات الألوف من القفقاسيين نتيجة سياسة روسيا القيصرية
بالتوسع نحو القفقاس و هُجّرَ نحو المليونين
خلال هذه الرحلة المشؤومة توفي آلاف الشراكسة بسبب الجوع و المرض
و الظروف السيئة أما الناجون فأصيب المئات منهم بالأمراض المعضلة
و بيع مئات آخرون كالعبيد في أسواق النخاسة
تكررت
المأساة نفسها على الشواطئ الأخرى مثل تامان، توآبسة، أنابة،
تسيميز، سوتشي، آدلر، سوخوم، بوتي و باتوم
كان ستاش
يورا يعرف جيدا حكاية الضفة الأخرى و هو الآن يسير على هذا الشاطئ
بين أولئك الذين يحملون الدم نفسه كي يشاهد بقية القصة
الوجهة هي قرية "كاراأغاتش" التابعة لـ كفكن التي
توجهت إليها العديد من الحافلات القادمة من أماكن مختلفة من
اسطنبول و مرمرة
يسري اعتقاد
شائع أن هذه القرى هي قرى شركسية إلا أن هذا الاعتقاد ليس صحيحا:
لقد دُفن الشراكسة هنا
كان من الواضح أن سكان المنطقة قد اعتنوا بالأماكن التي دُفن
فيها الشراكسة أكثر من اعتنائهم بقبورهم، علاوة على ذلك أقيم
نصب تذكاري وسط المقبرة الواقعة هناك
حول هذا
النصب تحلّق أحفاد المهجرين، قراؤا الأدعية على أرواح أجدادهم
كما تحدث عن أهمية هذا اليوم و معناه كل من جمال الدين أوزباي
و الكاتب سفر برزج و الكاتب تشيتين أونير و سامي كوركوت الذي
تحدث باسم جمعية إزميت و رئيس وقف القفقاس مهدي نزهت تشين باش
ستاش
يورا
|
لم يكن
ستاش يورا يفهم شيئا من اللغة التي يتحدث بها أقرباؤه إلا أن
الدموع التي اغرورقت في عينيه كانت كافية لتشير إلى أنه فهم
كل شيء أكثر من الجميع
إثر ذلك
توجه يورا و الحشد إلى الساحل، المحطة الأولى في رحلة الموت
هنا أنشد أحفاد المهجرين أناشيد الرثاء بالقرب من المغارات التي
التجأ إليها الناجون بعد وصولهم إلى الشاطئ، كانت هذه الأناشيد
بلغة يفهمها يورا
إنها أنشودة
أولئك الذين لم ينسوا التهجير
و وسط
صيحات "لم ننسَ و لن ننسَ" رمى الحشد أزهار القرنقل
الحمراء و إكليلا أسودا إلى ذلك البحر الذي أهداهم الموت
عقب ذلك
توجهت الحافلات القادمة من اسطنبول إلى شاطئ منطقة أوسكودار
في اسطنبول، فهناك سيرمي "المنبر الشركسي الديمقراطي"
أزهار القرنفل الحمراء أمام قلعة "فتاة القلعة" (قزكوليسي)
المشيدة وسط البحر قبل غروب الشمس
هنا سُمح
لأحفاد الأمة، التي لا يُسمح لها بالبكاء حتى على موتاها، أن
يطلقوا العنان لمشاعرهم و أن يبكوا حزنا على أرواح أجدادهم
لم يرَ
يورا أحفاد قومه المهجّرين على الحالة التي رآهم عليها الآن
… و انهمرت الدموع من عينيه بصمت دون أن يراها أحد
الاثنين 20 أيار 2002