نصب الأمة؛ حتى لا يبقى للذكرى مكان

من مراسلنا في الأديغي نارت أستيمر
الأربعاء 14 أيار 2003

يصادف الحادي و العشرين من أيار/مايو الذكرى التاسعة و الثلاثين بعد المائة لانتهاء الحرب الروسية ـ القفقاسية التي دخلت التاريخ كإحدى أكثر الأحداث دموية في تاريخ البشرية الحديث. هذا اليوم أصبح ذكرى مأساوية و يوم حزن للشعب الشركسي الذي يحي فيه ذكرى أولئك الذين سقطوا في سبيل الحرية و الاستقلال, و ذكرى ملايين الأبرياء الذين طردوا عنوة و قسرا من أرضهم التي منحها الله لهم

يعتبر التهجير الوحشي الذي تعرض له الشعب الشركسي من أكثر الفصول دموية في التاريخ الحديث

عرفت البشرية الكثير من الأحداث الدموية التي شُيد لها أنصاب تذكارية تذكر الأجيال بالضحايا و البطولات لتتخذها درسا و عبرة. إذا ما تطرقنا للحديث عن المجازر حصرا فسنجد أنه شيدت في معظم الدول الأوربية أنصاب لضحايا النازية إبان الحرب العالمية الثانية و كذلك اضطهاد الأرمن في أوائل القرن العشرين. أما المأساة التي لحقت بالشعب الشركسي و التي سبقت تلك المجازر التي ذكرناها بعشرات السنين فبقيت غير مجسدة و لا في أي نصب يذكر الأجيال بهول الجريمة التي ارتكبت بحق هذا الشعب الآمن

نصب تذكاري مع وقف التنفيذ

قبل 11 عاما و باقتراح تقدمت به الأديغة خاسة تم اتخاذ قرار يقضي بتشييد نصب تذكاري في مدينة مايكوب لضحايا الحرب الروسية ـ القفقاسية من الشراكسة الذين سقطوا في سبيل الحرية و الاستقلال. و هكذا أجريت مسابقة خاصة لاختيار أفضل مخطط و قد فاز بها اقتراح الفنان و المهندس المعماري المعروف عبد الله برسر

لكن و للأسف الشديد و على مدى السنوات الماضية لم تكن هناك أية مبادرة جدية لتنفيذ هذا المشروع. و كالعادة كانت الحجة الرئيسية هي عدم توفر التمويل لبناء النصب. و بدون أي شك لعبت العديد من الجهات الحكومية على مستوى الجمهورية و المدينة دورا أساسيا في تجميد هذا المشروع. فعلى سبيل المثال عارض المحافظ السابق لمدينة مايكوب ميخائيل تشيرنيتشينكو بناء النصب في مركز المدينة, و اقترح بناءه على تلة مازداخ بعيدا عن الأعين على بعد 5 كيلومترات من مايكوب أو عند نصب ضحايا الحرب العالمية الثانية خارج المدينة أيضا. أما الفعاليات السياسية و الشعبية، و منها الأديغة خاسة، و بسلبيتها المعتادة لعبت دورها الخاص في تناسي هذا النصب

محاولات فاشلة للتمويل

في تلك الفترة أخذت قيادة الجمهورية آنذاك على عاتقها مسؤولية تمويل بناء النصب, و لكنها و على مدى عشر سنوات لم تتمكن من إيجاد المبلغ المطلوب في الوقت الذي كانت تجد فيه مبالغ كبيرة لتنفيذ مشروعات يحمل غالبها الطابع الخاص

حسب آخر تقدير أجرته وزارة الثقافة في جمهورية الأديغي قبل ثلاثة أعوام فإن تشييد النصب يتطلب مبلغ 50 ألف دولار

يجدر التوضيح هنا بأنه في كل عام و أثناء الاحتفال بهذا اليوم الأسود كانت الأديغة خاسة تضع صناديق خاصة لجمع التبرعات من أجل تشييد النصب. و حسب معلوماتنا فإنه و إلى جانب هذه التبرعات وصلت تبرعات أخرى من الخارج استلمتها الأديغة خاسة غير المفوضة رسميا بجمع التبرعات. و حين توجهنا بالسؤال لرئيس الخاسة الحالي عن هذه الأموال و لماذا لم تستخدم على الأقل للبدء في بناء النصب, أجابنا بأن المبلغ بسيط جدا و تم صرفه لتغطية مصاريف الخاسة اليومية

كل عام في 21 أيار يجتمع الناس و تلقى الخطابات الرنانة الداعية لضرورة بناء هذا النصب و تعطي السلطات الوعود بإيجاد المبلغ المطلوب, و الناس تقدم التبرعات في كل مرة و من ثم يتفرق الجميع متناسين الموضوع للعام الذي يليه و هلم جرا

أما الأديغة خاسة التي لم يعطها أحد حق جمع الأموال لتشييد النصب فإنها لم تعطِ لنفسها هذا الحق و حسب بل و أيضا حق التصرف بهذه الأموال و إنفاقها على احتياجاتها الخاصة

النصب = شرف الأمة

تشييد هذا النصب، على حد تعبير مصممه الفنان عبد الله برسر، هو مقياس لشرف و ضمير الأمة و دَينٌ على كل شركسي و على السلطات أمام هذا الشعب المعذب

من الخطأ أن تمحي من ذاكرة شعب تاريخه مهما كان هذا التاريخ. و من الخطأ تناسي اللحظات المأساوية في هذا التاريخ إذا ما كانت هناك رغبة حقيقية في عدم تكرارها. أما الجريمة الأعظم فهي التغاضي عن الجريمة

على أبواب ذكرى يوم الحزن يبقى الأمل بأن نستقبل الذكرى 140 للمأساة الشركسية حول نصب الملايين، نصب الأمة. لكن هل سيتحقق يوما ما هذا الحلم الذي غدا نوعا من السهل الممتنع؟ هذا السؤال مطروح على الجميع
(وكالة أنباء القفقاس)