في
ذكرى يوم الحزن، إلى كل من يهمه الأمر
 |
|
رسم
رمزي للتهجير كتب عليه بثلاثة لغات العبارات التالية
إبادة عرق كتبت بالقبردي
قطع الجذور كتبت بالأديغية
إبادة و تهجير كتبت بالروسية
|
"عندما
يتحدثون عن شعبي
أنظر إلى نفسي
فينتابني الحزن"
الكاتب
الشركسي نالبي قويقو
كل الدماء
في قفقاسيا الوطن
كل السهول و الجبال
كل الدروب و الحجارة و الحكايا
كل الكنائس و المساجد
و قصص الجدات للصغار
...و كل عيون الصبايا
كل الدماء
في قفقاسيا الوطن
كل الآلام و الضحايا
كل القناديل التي ارتعشت
و هي تبكي
و أنّات القلوب تعلو من صدور الأمهات
و عويل الليل ينحت حكايا المعجزات
و ليالي البرد و الشتاء
تغني قصص الرحيل
...تحفر في البال مواجع الذكريات
كل الدماء
في قفقاسيا الوطن
أسكن في أغانيها
أردد مجد ماضيها
و أحلم يوما أن ألاقيها
لأحضنها… و أحضنها… و أحضنها
و أصبح نبضا فيها
و أنزع من صدري قلبي
...و أزرعه بتربتها... بحنطتها
و أغسله بماء روابيها
و أصعد به جبل أوشحامافه
...لأجعله نسرا يحلق في أعاليها
قال الأقدمون:"الإنسان
الذي لا يريد أن يصاب بمصيبة, هو أشبه بمن لا يريد أن يعيش،
فالمصائب ترافق الحياة"
مائة و
تسع و ثلاثون عاما مضت على نهاية حرب كانت رمزا لأبشع أشكال
الإبادة الجماعية بحق شعب آمن. الحادي و العشرون من أيار أصبح
يوم حداد لأمة عاشت مأساة و مصائب وضعت بقاءها تحت إشارة استفهام
الحادي
و العشرون من أيار 1864 كان يوم إعلان انتصار الجيوش القيصرية
المستعمرة على الشعوب القفقاسية في الحرب الروسية ـ القفقاسية
الدموية التي امتدت زهاء قرن من الزمان و انتهت بطرد أكثر من
94 بالمائة من الشعب الشركسي من أرضه التي منحها الله له… انتهت
الحرب بعرض عسكري احتفالا بالنصر قدمه جيش الاحتلال في مدينة
سوتشي عاصمة الأوبيخ الخالدة
و لكن
هل انتهى بنهاية هذه الحرب مسلسل الإبادة المرتكبة بحق الشعوب
القفقاسية عامة و الشركسي خاصة, و الذي بدأ منذ أكثر من ثلاثة
قرون؟
الجواب:
لا بالطبع. فعملية الإبادة بدأت تأخذ منحا آخر بعد نهاية الحرب.
فبعد إخلاء تشيركيسيا من معظم أبنائها قامت سلطات الاحتلال بتوزيع
من بقي من الشراكسة على قرى صغيرة بعيدة عن بعضها البعض و محاطة
بعشرات القرى الاستيطانية الجديدة التي بنيت على أنقاض القرى
الشركسية المحروقة و عظام مئات الآلاف من الشهداء
شعار "فرق
تسد" كان مبدأ الاستعمار منذ فجر التاريخ, و قد تم تطبيقه
على بقايا الشعب على أرض الوطن فسهّل السيطرة عليهم و نجح بإقناعهم
بأن القبردي و التشيركيسك و الأديغي هم شعوب مختلفة و ليسوا
شعبا واحدا
إذا أردت
أن تقضي على شعب يكفي أن تشوه تاريخه و تمحي ثقافته و لغته.
كانت هذه سياسة ما بعد الحرب الروسية ـ القفقاسية في مسلسل الإبادة
المرتكب بحق الشعب الشركسي. و نحن نرى اليوم هذه السياسة تطبق
بشكل أكثر منهجية و تنظيما في عصر الدولة الروسية الجديدة "الديمقراطية"
(؟)
قال لي
أحدهم أثناء حوار طويل دار بيننا حول مستقبل الأمة:"يا
صديقي, لسنا مهددين بأن نجد أنفسنا خارج التاريخ, بل نحن فعلا
أصبحنا خارجه". إلا أني ما زلت أقاوم الاعتقاد بهذه الفكرة.
لكن و مع الإجماع العام الصامت عن كل ما جرى و يجري, يستمر الشراكسة
بالانقراض الذي أصبح في السنوات الأخيرة سريعا و واسعا خاصة
في المهجر حيث يعيش الجزء الأكبر من الشعب الشركسي
أما في
الوطن فيعاني أصحاب الأرض من سياسة صهر غير معلنة إضافة إلى
وجود أزمة ديموغرافية مفتعلة و غياب الوعي القومي و القوى السياسية
القومية الفاعلة. يأتي كل هذا على خلفية سياسة تتبعها دولة تسعى،
تحت غطاء الديمقراطية و حقوق الإنسان، لقلب التوازن القومي في
الجمهوريات الشركسية القفقاسية بفتحها أبواب الهجرة على مصراعيها
أمام الأرمن و القوميات الأخرى, و بتجميد عملية العودة بإصدار
قوانين تعجيزية إلى جانب سياسة تعليمية تجهيلية مدروسة تسعى
لتهميش الوعي و مسح كل ما هو قومي من عقول الشباب. على خلفية
كل هذا تبدو الصورة مأساوية لدرجة مفزعة
عندما
تتحدث إلى اخوتك في الشارع تكتشف كل هذا, و تجد أن الأمر أصبح
بالنسبة للجميع سيان و كأن الكل اتفق على قرب النهاية. فهل أصبح
مجتمعنا كما و صفه لي أحد الكتاب بالمهزوم و المتواطئ؟
حول هذه
النقطة راودتني أفكار كثيرة و نظرت إلى نفسي كما نظر الشاعر
نالبي قويقو إلى نفسه و هو يقول
ـ هل أنا متواطئ, إذا رضيت أن أعيش في مجتمع متواطئ؟
ـ هل أنا جبان إذا رضيت أن أسكت مع الخائفين؟
يعذب السؤال
صاحبه، يعذب أصحابه. يحلو لي أن أظن ذلك, أن أظنهم كثيرين, لا
لجمال الكثرة, بل لأن الذنب سيتوزع على أكثر من ضمير. و الجواب
معروف
أثناء
كتابتي هذه الكلمات قال لي صديق مقرب:"أتعلم، نحن نعيش
تاريخا و لا نعيش حياة". فأجبته قائلا أن الأمر كان كذلك
لفترة قريبة, أما الآن فنحن لا نعيش لا تاريخا و لا حياة
قد تكون
سوداوية واقعنا الذي جاء نتيجة السياسة المتبعة منذ ثلاثة قرون
جعلتني أضخم بعض الشيء. فمن الممكن أن يرى البعض أن الأمر ليس
بهذه الدرجة من السوء. لكن مما لا شك فيه أن الزمن تغير و بأنه
من المناسب تغليب العقل على العاطفة. على كل يجب عدم الوقوف
طويلا على أسف الماضي العبثي أو الشكوى من التغييرات التي تجعلنا
نتشاءم فالتغيير هو شرط الحياة نفسها
يبقى السؤال
الذي يدور في الأذهان هو: هل نملك اليوم القوة الكافية للنهوض
من تحت الركام؟ سؤال شيكسبيري لا أملك الجرأة للإجابة عليه,
و لكنه سؤال مطروح على الجميع
في يوم
الحزن نُخلّد ذكرى أولئك الذين سقطوا, و الذين شردوا, و يبقى
الوطن عزاؤنا. الوطن الذي يكتب خواطره بالدمع و الدم راسما أشكالا
للمدعو "وطن" و ننشد
خرج وطن
ليتمشى على الحدود
نظر بعيدا... بعيدا,
حيث المنفيون الذين
لم يستطيعوا تهريبه إليهم
***
وطن تخطى
الحدود ذات مرة
أصيب بطلقة
و بتهمة مهرب
و عندما فتحوا يده
وجدوا شعبا صامتا
***
سألوا
وطنا عن اسمه
ارتبك كثيرا
فكيف سيعد كل هؤلاء الشهداء؟
***
عينوا
وطنا مدرسا للجغرافية
و عندما سأله تلميذ
"أستاذ, ماذا يحد الوطن؟"
احتار الوطن
فلو قال يحده من جميع الجهات
منفيون بحجم الأسلاك الشائكة
لما صدقه التلميذ
***
و هكذا
جفت جميع أنهارنا
فكيف سيغسل الوطن وجهه صباحا؟
***
تأخر وطن
عن المدرسة
و نسي كتابة وظيفته
فعاقبه المعلم
بأن يكتب مائة مرة
عاش الوطن
عاش الوطن
...عاش الوطن
***
إلى جميع
الذين سقطوا في سبيل حرية و استقلال القفقاس… و يبقى الأمل في
المستقبل المشرق سبيلنا في الحياة… نارت
أستيمر ـ مايكوب
الأربعاء
21 أيار 2003
(وكالة أنباء القفقاس)