* الحرف الشركسي "|" خارج القانون

من مراسلنا في الأديغة نارت أستمير

الأربعاء 26 شباط 2003

الحالة اللغوية في روسيا الاتحادية متنوعة و لها خصوصيتها مقارنة مع الدول الأوربية الأخرى, كونها تضم أكثر من 120 قومية تملك كل منها لغتها القومية الخاصة. لكن من المؤسف أن الكثير من لغات شعوب روسيا المختلفة تقف على حافة الانقراض التام أو تحتاج إلى دعم حكومي جاد للحفاظ عليها و تطويرها

فعملية توحيد البلاد في مساحة قانونية واحدة التي بدأها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقب استلامه السلطة, وصلت في مداها على ما يبدو إلى لغات شعوب روسيا. فكما نعلم قام مجلس الدوما الروسي أواخر العام المنصرم بالتصويت على تعديل بعض مواد قانون "لغات شعوب روسيا الاتحادية" و الذي فرض بموجبه على شعوب روسيا المختلفة استخدام الكريلية حصرا كأبجدية للغاتها

قرار النواب الروس هذا يدفعنا إلى طرح تساؤلات عدة: ما الهدف الذي يتبعه البرلمانيون الروس بتعديلهم لهذا القانون؟ هل يتعارض استخدام الأبجدية اللاتينية على سبيل المثال للغات بعض الشعوب مع وحدة الدولة الروسية؟ و ألا يتعارض هذا القانون مع مصالح و حقوق الشعوب في اختيار أشكال و طرق تطوير لغتها و الحفاظ عليها؟

كل لغة لها خصوصيتها و البيئة التي تعيش و تتطور فيها. فاللغات تختلف عن بعضها البعض بعدد الأصوات, بقواعد اللغة الخ… و لا توجد في يومنا هذا أية لغة تملك الإمكانية أو الحق في توحيد مختلف اللغات ضمن أبجديتها الخاصة. و لكن النواب الروس وجدوا أن هذا الأمر ليس ممكنا و حسب و إنما ضروري للغاية من أجل وحدة الدولة

يبدو أن قرار جمهورية تاتارستان المتعلق بالانتقال تدريجيا من الأبجدية الكريلية إلى اللاتينية قد أرعب النواب الروس, و هذا ما جعلهم يصوتون لمصلحة التعديلات بدون أية معارضة حقيقية, حارمين بذلك شعوب روسيا من حقها في اختيار الأبجدية الملائمة للغاتها القومية

إن مخاوف النواب الروس في الحقيقة ليست في مكانها, فاللغة هي أساس ثقافة كل الشعوب و لا يمكن لها أن تصبح أداة سياسية انفصالية ما دامت الدولة تقدم كل المساعدات اللازمة من أجل الحفاظ عليها و تطويرها

يقول العالم الروسي غليب أوشينسكي: لو أجلسنا طفلا على حصان لمدة عامين و من ثم تركناه يترجل فإنه بكل تأكيد لن يتمكن من السير بطريقة صحيحة. هذا المثال ينطبق على مسألة اللغة. فنحن مضطرين في البداية إلى إتقان اللغة الروسية (الركب على الحصان) و من ثم تعلم السير على الأرض أي تعلم الكتابة و القراءة باللغة الشركسية. فالمنظومة التعليمية اليوم في المدارس قائمة على هذا المبدأ

لقد دخلت البشرية الألفية الثالثة و هي مقتنعة بأن لغات الأقليات القومية هي ثروة هامة و كنز يجب الحفاظ عليه. و غدا تطوير ثقافة الأقليات القومية و الشعوب الصغيرة جزءا أساسيا من القيم الديمقراطية، و الحقوق اللغوية أصبحت جزءا لا يتجزأ من حقوق الإنسان

روسيا الاتحادية مثلها مثل الدول الأوربية الأخرى صادقت على المعاهدة الأوربية للغات المحلية و لغات الأقليات. و تحدد هذه المعاهدة و بشكل واضح بأن الموقعين عليها ملزمون بإقصاء كل تمييز أو تحديد أو عمل يمس بلغات الأقليات و يشكل خطرا على الحفاظ عليها و تطورها. إلا أن روسيا، التي تسعى لتصبح جزءا من العالم المتحضر, تريد تحقيق ذلك بدون التقيد بقواعد اللعبة. فأوروبا المتحضرة, التي غدت مثالا للديمقراطية في العالم و ضمان حقوق الإنسان, لم يكن بوسعها أن تصل إلى هذا التطور على كافة الأصعدة بدون الحل الديمقراطي للقضايا الاقتصادية, الاجتماعية, الثقافية و القومية

إن السياسيين الروس لا يزالون متمسكين بالعقلية الإمبراطورية القديمة و يستغربون في الوقت ذاته لماذا يستمر العالم المتحضر في رفضه لبلادهم
(وكالة أنباء القفقاس)

الحرف "|" هو حرف لاتيني مستخدم في الأبجدية الشركسية *