!صفقة موسكو مع واشنطن: جورجيا مقابل العراق

* فيكتور كريمينيوك

اقتربت الأزمة التي أثارها نزوع الإدارة إلى التطرف و الحرب حول العراق من فصلها النهائي. و ربما انتهت تلك الأزمة بعمل عسكري بعد نهاية شهر شباط/ فبراير الجاري. هذا رأي أكثرية الناس. و ربما أدت إلى حل سلمي، لكن هذا رأي الأقلية من الناس

و تحمل النتيجة النهائية الكثير من المعاني. هل تحصل الولايات المتحدة الأميركية على حق شرعي معترف به بشن هجمات عسكرية على بلدان أجنبية كما تشاء؟ هل يجد مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة وسائل لإجبار الحكومة الأميركية على الالتزام ببعض القواعد الدولية القائمة؟ هذا الشيء، لا مصير صدام حسين، هو صلب الموضوع في الأزمة الراهنة. فقد يستطيع النظام العراقي أن يبقى و قد لا يستطيع البقاء. و هذا أمر لا يهم المجتمع الدولي كثيرا. ما يهم هو ما إذا كانت هناك فرصة لاحتواء القوة الأميركية المهيمنة؟

ذلك أن انتهاء الحرب الباردة قد ترك الولايات المتحدة تسرح وتمرح باعتبارها القوة العظمى الوحيدة في العالم، خصوصا في مجال الحرب التقليدية. و قد أتاحت لها حرب "عاصفة الصحراء" في عام 1991 أن تثبت قدراتها في هذا المجال، و كذلك في الحرب ضد بلاد الصرب عام 1999، و في الحرب ضد نظام "طالبان" في أفغانستان عام 2001. فما أثبتته آلة الحرب الأميركية من كفاءة عالية، و رغبة الحكومة الأميركية في اللجوء إلى العمل العسكري كلما رأت ذلك مناسبا، خلقا شعوراً بالقلق لدى بقية الدول، سواء كانت تلك الدول حليفة للولايات المتحدة أم لا. إذ أن تلك الدول شعرت بأنها مكشوفة للضغط و بالدفع إلى الحافة، و من حقها المشروع أن تطالب بضمانات

و من شأن ذلك أن يخلق إمكانية واهية لقيام تحالف فضفاض بين الدول التي تشعر بالارتياح في حال تحقق احتواء مأمون للقوة الأميركية، بما في ذلك روسيا.
و قد آثرت روسيا، خصوصا في بداية الأزمة العراقية في الخريف الماضي، أن تنأى بنفسها عن الولايات المتحدة و عن خصومها على السواء. و من الواضح أنه كانت هناك مصالح روسية مهمة (و لا تزال) في تلك الوضعية التي جعلت روسيا إلى جانب الممتعضين من احتمالات الحرب في العراق. ومع ذلك فإن هذا الاتجاه لم يجعل روسيا في صف خصوم الولايات المتحدة

هناك أولا و قبل كل شيء مصلحة اقتصادية روسية تتمثل في رغبة موسكو باسترداد ديونها العراقية المعترف بها من صدام حسين، و رغبة أكبر من السيطرة و لو على جزء على الأقل من إنتاج النفط العراقي. فروسيا ترغب في التحول إلى دولة نفطية عظمى، و هي بالتالي بحاجة إلى تأمين الوصول إلى جزء على الأقل من احتياطي النفط العراقي لتحقيق تلك الغاية. أما في حال شن حرب أميركية ضد العراق فإن روسيا سوف تخسر كل ذلك (بما في ذلك الضمانات الأميركية)!

ثانيا، امتعاض روسيا من كون شريكها الأميركي يستعد لمغادرة أفغانستان من غير تحقيق أي شيء يمكن تسميته بالسيطرة على تلك البلاد. فإذا غادرت أميركا بلاد الأفغان، فإنها تضع روسيا وجها لوجه مع الأفغانيين الذين يشعرون بالغضب والمرارة تجاه الروس، سواء في طاجكستان أو حتى في بلاد الشيشان. و هذه مواجهة كلفت روسيا كثيرا في الماضي!

ثالثا، يبدو في ظاهر الأمر أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد استنفد جميع ما يملك من تنازلات إلى نظيره الأميركي. فقد ذهب بعيدا في تلبية الاحتياجات الأميركية لنقض معاهدة الحد من الصواريخ الاستراتيجية، و لتوسيع حلف شمال الأطلسي شرقا، و الوجود العسكري الأميركي في آسيا الوسطى و جورجيا. و لم يقابل الأميركيون ذلك بالمثل حتى الآن

و قد يماشي الرئيس الروسي صديقه الرئيس جورج بوش في تلبية احتياجاته لكن إلى الحد الذي يمكن أن يفقده شعبيته في أوساط الوطنيين الروس والجيش الروسي.
و لذا، فإن كل ذلك يشير إلى أن روسيا مضطرة بغير تحفظ إلى الوقوف بجانب فرنسا و ألمانيا في الأزمة الراهنة بشأن العراق، لكن المسلكية الروسية في الحقيقة لم تكن مباشرة وصريحة حتى الآن!

ففي الخريف الماضي، عندما كانت الأزمة العراقية في مراحلها الأولى، ظهرت إشارات قوية في موسكو و نيويورك حول إمكانية عقد صفقة روسية ـ أميركية مؤداها: "أنتم تضربون العراق، ونحن نضرب جورجيا"! و كان العسكريون الروس على قاب قوسين أو أدنى من إرسال قوتهم الجوية لضرب المعاقل الشيشانية في أراضي جورجيا، لكن الجواب الأميركي على هذه الصفقة كان الرفض المطلق و الصريح. فربما كانت واشنطن تأمل بأنها لن تواجه أي مقاومة بشأن العراق من أي جهة كانت. و ربما لم تكن تحسب روسيا في عداد الدول التي يجب عقد "صفقة" معها، لكن هذه الفكرة انتهت إلى لا شيء. و من هنا التوجه الروسي إلى فرنسا و تبني موقفها في مجلس الأمن الدولي بتحبيذ استمرار عمل المفتشين الدوليين في العراق

و منذ ذلك الوقت ظهرت صورة "جبهة متحدة" بين روسيا و فرنسا و الصين بشأن العراق في مجلس الأمن الدولي يقول موقفها: أرسلوا المفتشين إلى العراق، ثم استمعوا إلى ما يقولون، ثم قرروا بعد ذلك ما إذا كنتم راضين عن نتائج مهمتهم أم لا، و بعد ذلك، و كملجأ أخير، فكروا في إمكانية العمل العسكري. و قد أتاحت هذه "الجبهة المتحدة" لألمانيا أن تنضم إلى فرنسا في معارضة المخططات الأميركية، و أن تقترح اعتماد نوع من خطة سلام في العراق بإشراف الأمم المتحدة!

أما الإدارة الأميركية فإنها لم تقبل قط بهذا الوضع، و طوال فصل الشتاء راحت الولايات المتحدة تغازل موسكو ديبلوماسيا، و قد جربت عدة "أفخاخ" مختلفة على أمل أن موسكو لا تتوجه توجها جديا في تحالفها مع فرنسا و ألمانيا، و لهذا بعض الأسباب التي تبرره

فمع اقتراب الربيع في بلاد الشيشان، عادت الحكومة الروسية لتشعر بنوع من القلق الشديد، كما أن الانتخابات البرلمانية سوف تجري في شهر كانون الأول/ ديسمبر المقبل، والانتخابات الرئاسية في آذار/ مارس 2004. و خلال هذا الوقت لا بد من تهدئة الوضع في بلاد الشيشان. و مع ذلك فإن إمكانية أن تحقق موسكو انتصارا عسكريا هناك، هي إمكانية ضئيلة، لأن قادة المقاومة الشيشانية ما زالوا على قيد الحياة و يمارسون نشاطهم على أشده، و قوتهم العسكرية ما زالت ملفتة، و مخازن الأسلحة لديهم متوفرة. و لهذا فإنه حالما تكتسي غابات التلال الشيشانية أوراقها، فإن مناوشات عسكرية مهمة قد تحدث هناك مما يجعلها ذات صلة وثيقة بواقع الأمر. إذ أنها قد تضع المؤسسة العسكرية الروسية و رئيسها في وضع صعب، حيث يمكن أن تؤدي إلى فشل محقق أو إلى تخييم شبح مثل هذا الفشل على مشارف الانتخابات. و تعلق موسكو آمالها كلها في بلاد الشيشان الآن على الاستفتاء المقبل حول الدستور الشيشاني، لكن الاستفتاء على الدستور المقرر في شهر آذار/ مارس، ما هو إلا بداية، و ربما لزم الأمر، أكثر من اعتماد دستور للبلاد، القيام بعملية عسكرية أخرى لحصر الشيشان داخل بلادهم، و إقامة نوع من الحزام الدولي الحاجز حول بلاد الشيشان

ألهذا تتجدد فكرة شن حرب قصيرة ضد جورجيا؟ ربما كان الجواب: نعم. فإذا كان الجواب نعم، فإن هناك حاجة من جديد إلى الموافقة الأميركية. و قد فهم الفرنسيون هذه الأولوية بالنسبة إلى الرئيس الروسي، فاسقطوا انتقاداتهم له بشأن الشيشان بغية إغراء بوتين بدعم خطتهم للسلام في العراق. فهل تحذو الإدارة الأميركية حذوهم في مساندة الرئيس الروسي في بلاد الشيشان على حساب العراق؟

هنا يكمن جل الموضوع الآن. فقد تعهدت روسيا بدعم الموقف الفرنسي ـ الألماني بشأن العراق، و يبدو أن الرئيس بوتين سوف يفي بوعده (لا سيما أن هناك إجماعا ضد الأميركيين في روسيا حول موضوع العراق)، لكن إغراء الحصول على مساعدة أميركا في الشأن الشيشاني قد يغلب يوما المصالح المتمثلة في إقامة تحالف أوروبي ضد الولايات المتحدة

و في تلك الحالة، فإن روسيا قد تفكر من جديد بعقد صفقة مع واشنطن يتم فيها دعم العمل العسكري الأميركي ضد العراق (كما ألمح الرئيس الروسي أخيرا) مقابل الدعم الأميركي لعملية عسكرية روسية ضد جورجيا!
------------------------------------------------
نائب مدير "معهد دراسات الولايات المتحدة و كندا في أكاديمية العلوم الروسية" ـ موسكو ـ بالاتفاق مع "الديبلوماسي" ـ خاص بـ "الشرق الأوسط" / الخميس 27 شباط 2003