لقاء صحفي مع رئيس الجهورية الشيشانية الأسبق زليمخان راندرباييف

"هناك أمر يجمع عليه كافة الشيشانيين الآن ألا و هو الانسحاب الكامل للروس من الشيشان. هذه هي نظرة الشيشانيين إلى السلام، فلا أحد يقبل بفكرة بقاء الجنود الروس على أراضينا و كما قال دوداييف سيبقى الروس في الشيشان و لكن في مساحة لا تتعدى المترين أي و بعبارة أخرى ستكون الشيشان مقبرة الروس"

نحن أيضا قد أخذنا عبرتنا من هذه الحرب
"لقد ارتكب الشيشانيون بعض الأخطاء في بداية هذه الحرب إذ اغتروا بالنجاح الذي أحرزوه في سابقتها. لقد تغيرت الأهداف قليلا الآن الأمر الذي أثر بدوره على مجرى هذه الحرب"

فهيم طاشتكين

ـ أحيانا أمزح بقولي "لم يتمكن الروس من النجاح هذه المرة أيضا، يا لهم من قوم تعساء لقد كتب لهم القدر أن يذوقوا الأمَرَّين على أيدي الشيشانيين" لكني و بالفعل أتسأل لماذا لا يستطيعون أن يهزموا الشيشانيون؟

فيما عدا بعض الأفكار المختلفة التي جلبها البعض من الخارج فقد كان الشيشانيون على مر التاريخ يؤمنون بإله واحد، و هذا الإيمان قد منحهم قوة عظيمة و هم لهذا السبب يظفرون بالنصر على الدوام. أما بعض الشعوب الأخرى فقد خبت شعلة مقاومتها لابتعادها عن فكرة الإيمان بإله واحد. و عقب مجيء الإسلام استمر الشيشانيون على نفس المنوال. لقد هُجِّرنا إلى كازاخستان إلا أننا عدنا من جديد إلى وطننا و استعدنا حقنا بالحرية. لقد حاربنا تحت راية الإسلام على الدوام و بدأ إنشاء الدولة في إطار الدين الأمر الذي أمدنا بالقوة رغم الضغوط الخارجية. و هكذا كان دأب الشيشانيون في الحروب السابقة يحاربون دوما تحت راية الدين. أو بالأحرى إنهم لا يحاربون بل يجاهدون

و الله يساعد على الدوام المجاهدين في سبيله، و ما وضع الشيشان إلا مثال على ذلك. فليس هناك إنتاج سلاح أو مساعدة من أية دولة و رغم كل هذه النواقص تستمر الحرب. إنه و بحق المدد الإلهي

ـ لم يكسب الروس الحرب فهل يستطيع الشيشانيون و الحالة هذه الظفر بها؟ ما هو الوضع الراهن للشيشانيين في هذه الحرب؟

انظروا لما حدث في الحرب السابقة، لقد كان الجميع يعتقد أننا هزمنا و كان يُقال :"هل يعقل الوقوف في وجه قوة عظمى كتلك". لكن و في لحظة واحدة انقلبت كافة الموازين و أحرزنا النصر المؤزر، لقد كنا دوما نؤمن أن النصر سيكون حليفنا

ـ كان هناك تصور لوجود انقسام خطير بين الشيشانيين. فهل تغير هذا الأمر عبر الزمن؟

لقد ارتكب الشيشانيون بعض الأخطاء في بداية هذه الحرب إذ اغتروا بالنجاح الذي أحرزوه في سابقتها. لقد تغيرت الأهداف قليلا الآن الأمر الذي أثر بدوره على مجرى هذه الحرب. و نحن اليوم مضطرين إلى تخليص أنفسنا من ذلك إن الجهاد أمر مقدس لأن الإنسان يطهر به نفسه و هكذا يصبح كل ما ينويه الإنسان متماشيا مع متطلبات الجهاد لكل هذه الأسباب مجتمعة يعتبر الجهاد أمرا مقدسا

ـ و هل تمكن الشيشانيون خلال هذه الفترة من إدراك أخطائهم؟

بالطبع لقد تلقنوا درسا كبيرا و رأوا أخطائهم و هكذا عملوا على تصحيحها بأنفسهم. و من لا يصلح نفسه فإن الله سيصلحها

ـ هل يمكن القول بوجود تنسيق تام بين القادة الشيشانيين؟ فهل يحارب الجميع مرتبطين بمسخادوف أم أن كل شخص يجاهد بشكل مستقل في مجاله ؟

بالطبع تتحرك كافة القوى مرتبطة ببعضها البعض. و كما تعرفون فإنه يوجد مجلس الدفاع الأعلى للدولة الذي يترأسه رئيس الجمهورية أصلان مسخادوف و يدخل كافة القادة في هذا المجلس الذي يتم فيه وضع الخطط و من ثم توزيع المهمات حسبها. إلى جانب ذلك يوجد مركز مشاورة عسكرية عليا تجري فيه أيضا مناقشة مجرى الحرب و تعيين الأهداف

ـ هل يعني ذلك أن "حركة الشورى" التي ظهرت في داغستان قد تراجعت نوعا ما في هذه الحالة؟ و أين أصبح موقع هذه الحركة الآن؟

إن شامل باساييف و خطاب كلاهما قائدان كبيران في مجالاتهم. و هم قادة على جبهة القتال. بنفس الشكل يوجد هناك قادة آخرين في الشورى يجاهدون في مجالاتهم. و بالطبع فإن ما ندعوه بالشورى الإسلامية ليس بميكانيكية آلية عليا أو دنيا في الدولة بل هو عبارة عن مجلس مراجعة يجمع بين الأشخاص البارزين حيث يتشاورن مع بعضهم البعض و يقومون بالحركة بناء على ذلك أما اليوم و خلال فترة الحرب غدت الشورى داخلة ضمن مجلس الدفاع الأعلى للدولة. و هذه الشورى ليست منظمة بأي شكل من الأشكال بل هي بمثابة عضو يجمع الأشخاص و يتيح لهم الفرصة التشاور مع بعضهم البعض
و من جانب آخر فقد أنشأت جماعات عديدة فيما بينها مجالس شورى و هم بالطبع مرتبطين بالمركز إذ أن مجلس الشورى ليس بتكوين على حدة

ـ إلا أن الشورى، و على سبيل المثال، اتخذت في الأشهر الماضية قرارا بشأن كيرموف قائد أوزباكستان إذ أعلنت أنه أخطأ في الحرب الأمر الذي يعطي انطباعا أن الشورى هي أكثر من مجرد مجلس للتشاور

بالطبع تعمل الشورى في بعض المواضيع وفق آلية مختلفة. و اليوم و خلال فترة الحرب الدائرة في الشيشان هي مرتبطة بالمركز. و تمثل الشورى بنية مختلفة تماما فيما يخص القضايا الخارجية خارج الشيشان و هذا الأمر يشكل أساسا للقوى المتواجدة في عموم القفقاس

ـ ذُكِرَ أن التلفزيون الشيشاني عاود البث الأيام الماضية و بأن أصلان مسخادوف ظهر فيه و تحدث من خلاله. إن البث أثناء الحرب أمر صعب للغاية فهل يغض الروس النظر عن ذلك أم أن هذا يشير إلى وضع جديد في الشيشان؟

إن التلفزيون المذكور هو تلفزيون عائد للشيشانيين تماما و قد كان يرسل بشكل متقطع لأسباب أمنية و هو يبث و ينقطع عن البث لعدة ساعات لاضطراره إلى تغيير مكانه بشكل دائم

ـ جرت عدة لقاءات بين هيئات روسية و شيشانية خلال الأشهر الماضية و بعد ذلك لم يتم الحصول على أية معلومات بهذا الصدد. فهل يعني هذا أنه لم تجرِ أية لقاءات جديدة؟

إن اللقاءات التي جرت حتى الآن لم تكن لقاءات هادفة لإيقاف الحرب أو لقاءات تُمَكِن من اتخاذ قرارات بصدد تغيير مجرى الحرب. فمن أجل القيام بذلك يجب أن تكون هناك هيئات ذات صلاحيات تامة من كلا الطرفين لذا لا يمكن إطلاق اسم مباحثات السلام على تلك التي جرت حتى اليوم

ـ ما هي صورة السلام كما يتخيلها الشيشانيون؟ و هل يوجد بين الشيشانيين اتفاق معين بشأن السلام الذي سيحل فيما بعد؟ هناك بعض الأفكار التي تفيد بأن بوتين يقبل بالسلام مقابل الإبقاء على بعض القواعد العسكرية الدائمة في الشيشان و إعطاء بعض الأماكن الواقعة جنوب الشيشان للروس. فما الذي تعنيه يا ترى كلمة السلام بالنسبة للشيشانيين؟

هناك أمر يجمع عليه كافة الشيشانيين الآن ألا و هو الانسحاب الكامل للروس من الشيشان. هذه هي نظرة الشيشانيين إلى السلام، فلا أحد يقبل بفكرة بقاء الجنود الروس على أراضينا و كما قال دوداييف سيبقى الروس في الشيشان و لكن في مساحة لا تتعدى المترين أي و بعبارة أخرى ستكون الشيشان مقبرة الروس

ـ حسن ما هي توقعاتكم بشأن السلام؟ و كم يمكن لهذه الحرب أن تستمر؟ لقد سحب الجنود الروس قسما كبيرا من وحداتهم ليحلوا محلها وحدات أخرى تخوض حرب العصابات. فما هو رأيكم بهذا الأمر؟ هل تنظرون إليه على أنه خطة جديدة أم أنه يعني أن الحرب ستطول أكثر؟

ليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن روسيا قد غيرت خططها فهي اليوم تهاجم المدنيين تماما كما فعلت في السابق. إنهم يحاربون متذرعين خوضوهم حربا ضد الإرهاب إلا أن ما يفعلونه هو أنهم يبيدون شعبنا عن بكرة أبيه

ـ إلا أن الروس يسحبون جنودهم و بشكل واضح ليحلوا محلهم جنودا آخرين و ما نعنيه هنا هو رئيس الحرب الجديد أي الاستخبارات الروسية الـ ف. س ب فما هو برأيك السبب الذي دعاهم إلى ذلك. أم هل تنظرون إلى الأمر على أنه مجرد تبادل لا أكثر و لا أقل؟

إن كل ذلك ليس بأكثر من مجرد كلام و حسب. فالروس و منذ بداية الحرب يستبدلون الجنود الذين يدب فيهم الضعف ليستبدلوهم بجنود آخرين. و هناك شئ آخر أيضا فقد توصل الروس إلى اتفاقية مع أوربا خلال آخر اجتماع عقدته منظمة الأمن و التعاون الأوربية. فقد قالت أوربا لروسيا " قولي بأنك ستسحبين قسما من جنودك و نحن سنعيد إليك حق التصويت في المجلس الأوربي". و هكذا فإن روسيا الآن تدعي سحب جنودها و تتصرف على هذا الأساس

ـ لقد ظهر بعض المثقفين في الشيشان مثل حسبولاتوف على سبيل المثال الذي يرى باستلام الشيشانيين لمناصب في الاستخبارات الروسية الـ ف. س ب أمرا يدعو للتفاؤل. هذا بالإضافة إلى أحمد قاديروف الذي عمل لسنوات كمفتي و الذي عينته روسيا الآن بمنصب حاكم. إن هذا الأمر يتعذر فهمه على القفقاسيين المتواجدين في المهجر. فما هي مثلا نسبة المؤيدين لقاديروف؟

بالنسبة لحسبولاتوف فقد ولد في كازاخستان إلا أنه عاد إلى الشيشان و من ثم غادر في سن مبكرة إلى موسكو حيث نشأ و ترعرع على مبادئ الفكر الشيوعي. و لا يوجد أدنى فرق بين هؤلاء الأشخاص و أعضاء الـ ف س ب أما قاديروف فهو لم ينجح أبدا و لا في أي وقت من الأوقات بعمله كمفتي. و بالطبع و كما هو الحال في كافة الحروب فإن الدولة تتخذ بعض التدابير قبل بدئها بالحرب كأن تربي جواسيس من الممكن لهم الوصول إلى مراتب هامة و هؤلاء قد دربتهم الـ ك غ ب في الفترة السوفيتية و تركتهم فيما بيننا من أجل أن تتمكن من وضع كل شئ تحت مراقبتها. و قد ظهر هؤلاء الأشخاص على حقيقتهم في نهاية المطاف

ـ حسن و ما هو يا تُرى رأي الشعب الشيشاني بهذا الموضوع؟

إن الشعب الشيشاني لا يدعمهم فدعمهم يعني دعم الروس. و لو كان الأمر كذلك لما طالت الحرب حتى الآن. إن الشعب يدعم المجاهدين تماما

ـ هل يمكن إعطاء نسبة مئوية عن عددهم؟

كلا إن هذا أمر غير ممكن. فهم قد جمعوا مجموعة على شاكلتهم. إلا أنه توجد الحقيقة التالية: لقد حاصر الروس كافة القرى و هم يقصفون المدنيين على الدوام الأمر الذي يضعف الشعب شئنا أم أبينا و بالتالي تضعف مقاومة الأشخاص

ـ ما هو تأثير هذه الأحداث على النسيج الاجتماعي الشيشاني؟ و هل يتمكن الشيشانيون من المحافظة على عاداتهم و تقاليدهم؟ أي و بعبارة أخرى كيف أثرت الحرب على ثقافتكم، و هل يمكن الحديث عن خطر حدوث تلوث اجتماعي؟

مارس الروس ضغوطا على شعبنا عبر مئات السنين. و كانت أكثر الأمور التي استهدفها الروس هي العادات و التقاليد. في بداية الحرب اتهمنا المثقفون قائلين:"إن هؤلاء الأشخاص سوف يقضون على الوطن و الشعب". لكن و على الرغم من كل تلك المقولات لم يفقد الشعب نفسه أبدا. و حتى أن كافة إرثنا الثقافي و التاريخي قد ضاع في التهجير الذي تعرضنا له عام 1943. فلم يبقوا لنا على أي شئ من شأنه تذكير شعبنا بتاريخه أو ثقافته لدى عودته من المهجر. لكن و على الرغم من كل ذلك لم يتخلَ الشعب عن ثقافته التي كانت مرتبطة على الدوام بإيمانه. فبقدر ما ينتشر فيه الإيمان بين أفراد الشعب بقدر ما يتمسك ذلك الشعب بثقافته الخاصة

إن الهيمنة الروسية قد أعطتهم الإمكانية لممارسة المزيد من الضغوط على الشعب الأمر الذي يؤدي إلى ظهور شعب فاقد لهويته الخاصة. و نحن قد عشنا ذلك، فقد ظهر فيما بيننا نسل كهذا: أشخاص يدعون كونهم مؤرخين دون أن تكون لهم أية علاقة بتاريخهم الخاص و أشخاص يدعون كونهم كتابا دون أن تكون لهم أية صلة بثقافتهم الخاصة. و كان أكثر ما استفدناه من هذه الحرب هو أنها أظهرت الوجه الحقيقي لهذا النوع من الأشخاص

ـ هل يمكننا التفريق بين الشيشانيين قبل الحرب و الشيشانيين بعد الحرب؟

لقد ساعدتنا الحرب على التمسك بهويتنا الثقافية

ـ يتساءل الكثيرون عما يقوم به زليمخان ياندرباييف الآن. فهل تقومون بمهمة خاصة؟

يمكنني قول التالي حول ما يتعلق بمهمتي الخاصة: إنني أعمل على شرح جهادنا و عقيدتنا للعالم بأسره بصفتي ممثلا للقادة الذي يخوضون الحرب في الشيشان. إلى جانب ذلك فإننا نحاول توحيد العالم الإسلامي برمته يسأل البعض ما هي الرابطة بين مشاكل الشعب في الشيشان و تلك في العالم العربي. إن المشاكل الموجودة في أفغانستان و الباكستان أو أية دولة مسلمة أخرى هي عبارة عن أحداث مرتبطة ببعضها البعض

ـ أعتقد أنكم قمتم قبل فترة بزيارة إلى بلدان كالأردن و الإمارات العربية و الباكستان، فما هي يا ترى نظرة الشعوب هناك إلى القضية الشيشانية؟

عندما تكون المسألة هي القضية الشيشانية فإن الدول الإسلامية تنظر إلى ما ستقوله روسيا و أوربا. أما الحكومات العربية فتعمل على تجاهل الأمر في غالب الأحيان. فهم و إن رغبوا بمساعدتنا لا يجرءون على ذلك. إلا أنهم لا يسببون مشاكل في الدخول أو الخروج إلى هذه الدول أما الشعوب هناك فيعتقدون أن الشيشانيين يخوضون حربا من أجلهم و يدعون لهم في الجوامع أن يؤيدهم الله بنصر قريب الأمر الذي يتكرر في كل مكان. إن الدول الإسلامية تخشى حكام الدول المسيحية أكثر من خشيتها لله و هم سيدفعون ثمن ذلك عند الله

من هو زليمخان ياندرباييف؟

زليمخان ياندرباييف هو الرئيس الثاني لجمهورية الشيشان ـ إتشكيريا تابع تحصيله الدراسي في الجامعة الحكومية للشيشان ـ أنغوش و أتمه في كلية الآداب "غوكي" في موسكو
أسس ياندرباييف حزب فايناخ الديمقراطي الذي أرسى الدعائم الأساسية لجمهورية الشيشان ـ إتشكيريا. و ما بين عامي 1991 ـ 1993 احتل منصب نائب في البرلمان الشيشاني. و بدأ عمله كنائب لرئيس الجمهورية عام 1993 أما عام 1996 فأصبح رئيسا للجمهورية إثر استشهاد جوهر دوداييف
لفت ياندرباييف الأنظار إليه من خلال الاجتماعات التي نظمها بصدد اتحاد شعوب القفقاس. هذا و قد ترجمت له عدة أعمال كتبها باللغتين الشيشانية و الروسية إلى اللغتين التركية و الإنكليزية. إلى جانب ذلك فإن ياندرباييف هو عضو في اتحاد الكتَّاب في روسيا