الرئيس الشيشاني المُطارد " أصلان مسخادوف" يتحدث إلى جريدة الليبيراسيون

" يجب البحث عن زعيم الإرهاب في موسكو "

استمرار المعارك

لا تزال رحى الحرب دائرة في الشيشان بعد مضي عام على التدخل الروسي،ففي غضون الأيام الماضية جُرح ثلاثة عشر شخصا و قُتل ثلاثة آخرون على الأقل أحدهم من المدنيين. و حسب ما يذكره الجيش الروسي فقد قُتل ضابط و جُرح ثلاثة عشر جندي خلال صدامات وقعت يوم الجمعة في غروزني. أما حسب الرئاسة الشيشانية فقد قُتل أربعة ضباط. و من جانب آخر فقد أُحبطت محاولة لاغتيال رئيس الإدارة الشيشاني الموالي لروسيا " قاديروف " و ذلك حسب ما ذكرته وكالة أنترفاكس
وفقا للأرقام الرسمية فقد قٌتِلَ حوالي 2400 جنديا من القوات الروسية في المعارك خلال عام واحد و يصل هذا العدد إلى الضعف على الأقل حسب ما تذكره منظمة أمهات الجنود. و يذكر أصلان مسخدوف أن 2500 بويفيكي (مجاهد) قد استشهدوا و قضى 45000 مدني نحبهم. (نقلا عن أ.ف.ب)

يبدو على أصلان مسخدوف ـ و هو مرتد زيه العسكري واضعا مسدسه في حزامه ـ أنه في أحسن حال. فها هو ـ مسترخيا ـ يدلي برأيه عن الوضع في الشيشان قبل أن يمضي متابعا طريقه. فالزعيم الشيشاني الانفصالي لا يمكث لأكثر من يومين في مكان واحد منذ أن غادر العاصمة غروزني شتاء العام الماضي. و قد جرت العادة أن يتواصل مع اتباعه و العالم الخارجي عبر التسجيلات المسموعة. أما لقاؤنا هذه المرة فقد جرى وجها لوجه

ـ أين نحن الآن بعد مضى عام على بدء التدخل الروسي في الشيشان ؟

بدأ كل شئ بالنسبة لنا في الخامس من أيلول 1999 و هو التاريخ الذي قصف فيه الروس بلادنا للمرة الأولى و ليس في الأول من شهر تشرين الأول. فنحن لسنا ساذجين لدرجة أن نعود و نبدأ كل شئ من جديد مثلما حصل في النزاع الأول (1994 ـ 1996)، إذ أننا ندرك جيدا أننا لن نحصل على شئ من مجابهة هذا الجيش وجها لوجه و هكذا فإن ما نقوم به ليس بأكثر من إبعاد العدو و تحويله عنا لا أكثر، فالحفاظ على قوانا أهم بكثير بالنسبة إلينا من إيقاف هذا الجيش. كما أن عدم إقدامنا على شئ لدى احتلال العدو لبلادنا من شأنه إضعاف قوى العدو و تعزيز قوانا بالمقابل. إن مقاتلينا في كل مكان: في شاتوي و في إيتوم قالة و في أماكن أخرى، و الروس يدركون ذلك جيدا إلا أنهم لا يقومون بأي هجوم فمعنويات جنودهم في الحضيض

ـ لماذا لم تقوموا بهجوم معاكس هذا الصيف عندما كان ذلك أسهل ؟

لقد كنا ننوي ذلك، فمخططنا لاستعادة غروزني و غودرميس و أراغون كان مُعدا مسبقا. لكن لدى انعقاد اجتماع للـ غ.ك.و (هيئة دفاع الدولة التي تضم نحو أربعين شخصية أساسية من سلطة الشيشان المستقلة) قررنا أن نقوم بشيء آخر، و هكذا أعطينا إشارة البدء لحرب العصابات: فعندما نكون غير مرئيين، في كل مكان و في اللامكان في نفس الوقت، حينها يغدو من الصعب إدراكنا، فنحن أيضا نناصر سياسة أقل الخسائر. إن الاستمرار في هذه الحرب ليس في مصلحة روسيا، لكن بصعوبة تستطيع إيقافها دون أن تقر بفشلها. لقد أدرك بوتين على الأغلب أن الجنرالات الذين وعدوه بنصر سريع لا يصلحون لشئ، لكنه لا يستطيع الاعتراف بهذا رسميا، فهو أمر يدعو للخزي !

ـ هل كان خروج البويفيكي (المجاهدون الشيشان) من غروزني بدايات شهر شباط لعام 2000 منعطفا في هذه الحرب ؟ و هل أعطيتم الأوامر لمغادرة العاصمة ؟

إني لم أقل بحال من الأحوال بأنه يجب الدفاع عن العاصمة حتى النهاية. و سببنا الوحيد للبقاء في غروزني كان في الواقع سياسيا و ليس استراتيجيا. فقد أظهرنا من الشجاعة ما فيه الكفاية في دفاعنا عن العاصمة، و لكن للشجاعة أيضا حدود تقف عندها. كنت قد حضرت مخططا مختلفا تماما في الخروج : فإنني حقا لم أكن أتوقع هذا الكم من الخسائر

ـ لا يبدو بأن الوضع قد تغير منذ الخروج من غروزني. ما هي الحقيقة ؟

الحقيقة أن الوضع كل يوم في تغير مستمر فالروس يعيدون تجربة كافة الوسائل التي سبق و أن استخدموها في الحرب الماضية، لكن بدون جدوى. فالمرحلة الأولى كانت الحملة العسكرية: " العصابات" و " الإرهابيين" منتشرين دوما. أما المرحلة الثانية فقد كانت إظهار شخصيات سياسية إمعة على الساحة و ذلك لإثبات وجود شقاق في صفوف الشيشانيين أي قاديروف (المفتي الأسبق) و غانتاميروف (محافظ غروزني الأسبق الذي سُجن بتهمة النصب ثم أُطلق سراحه عام 1996) و هلم جرا. و نحن الآن في المرحلة الثالثة و هي انتخابات الدوما أما المرحلة التالية فستكون مرحلة المفاوضات دون أدنى شك. و قد سبق أن حذرت يلتسن بأنه من الأفضل له أن يكون صديقا للشيشانيين !

ـ لقد أضنت هذه الحرب الثانية سائر الشعب الشيشاني . فكم سيستمر هذا النزاع ؟

إنني اعترف بأن الوضع صعب للغاية بالنسبة للمدنيين الذين يستهدفهم الروس. و إنه لمما يحز في نفسي أن يضطر الآلاف من الشيشانيين لمغادرة أراضينا و الذهاب إلى أنغوشيا أو إلى أماكن أخرى. لكن و في كل مرة أرسل لهم فيها مبعوثين عني أتلقى منهم الجواب نفسه :" امضوا قدما في نضالكم، فنحن معكم ". إننا لا نستطيع أن نسمح لأنفسنا إراقة ماء وجهنا و الشعب يدرك ذلك جيدا
إنني أتحدى أيا كان أن يصدق أن كل شئ قد بدأ بإغارة مجاهدين على داغستان في شهر آب من عام 1999. لقد كان ذلك عرضا مسرحيا محضا، شأنه في ذلك شأن الانفجارات الرهيبة التي وقعت في موسكو و في أماكن أخرى خريف عام 1999 ! فروسيا قد خططت لهذه الحرب منذ أمد بعيد، إذ كان يجب أن يطرأ تطور كهذا على الأوضاع قبل ستة أشهر من انتخابات الرئاسة الروسية. فبوتين هو الذي أمر بهذه التفجيرات. لذا يجب البحث عن زعيم الإرهاب في موسكو و ليس هنا !

ثم لماذا لا يتحالف بوتين في الشيشان إلا مع أشخاص عاجزين همهم الوحيد هو المال من أمثال أحمد قاديروف و بيسلان كانتميروف و ماليك سعيدولاييف (و هم رجال أعمال شيشانيون) ؟ لم يبقَ لهم اليوم سوى أن يحاولوا مع روسلان أصلانخانوف (و هو شيشاني رُشِّح منذ عهد قريب نائبا في الدوما) الأمر الذي سيستمر ستة أشهر على الأقل. لكن سيضطر الروس بشكل أو بآخر للجلوس على طاولة المفاوضات تماما مثلما حصل في المرة الماضية. و أنا ما فتئت أقول لبوتين بأنه من الأفضل له التفاوض الآن و أنا حي و إلا فستكون الأمور أسوأ. و سينتهي الأمر بخروج الجيوش الروسية، ففي المرة الماضية كما في هذه المرة حاول الروس إقناعنا ببقائهم و لكن بعد عدة أشهر اختفى الجميع. و سيبلغ السيل الزبى إذا ما توجب علينا حماية جنودهم الباقين في الشيشان بعد ذلك!
في هذه المرة سأتكفل بأن تحمل المعاهدة التي سنوقعها في المفاوضات ضمانة دولية ! إلا أن التفاوض مع بوتين أصعب منه مع يلتسن، فبوتين يتصرف بطريقة غريبة : ففي حادثة " الكورسك " لم يتردد عن خداع شعبه ذاته …

ـ ما هو وجه الاختلاف بين هذه الحملة و سابقتها ؟

إن هذه الحرب الثانية لهي حرب قذرة بكل معنى الكلمة. فإني أعرف جيدا الجنرالات الذين يقودون هذه الحرب، فقد كانوا هنا سابقا في حرب عام 1994 لكن كجنود، إنني أكاد أموت خجلا … ففي البداية يتجنبون أي احتكاك مع العدو، أي معنا، ثم يجمعون مالا ! فهذا هو جلُّ ما يعنيهم ! أو يهاجمون الأبرياء. و حالما يعلمون بوجود البوييفيكي (المجاهدون) في هذه المنطقة أو تلك فإنهم لا يطلقون النار، فهم يموتون رعبا لهذا السبب فإني أقول لرؤساء القرى لدى مروري بهم : لا تقولوا لهم بأنه لا يوجد هنا مجاهدون فسيقصفونكم. بل على العكس من ذلك أخبروهم بأنكم تخفون مائتين منهم على الأقل عندها سيدعونكم و شأنكم ! (ينفجر ضاحكا)

حتى الوقت الراهن كنت قد منعت المقاتلين شكليا من إطلاق النار من مركز المدينة؛ إلا أن الروس سرعان ما أدركوا الأمر و استغلوا الموقف. و حديثا أعطيت أوامر معاكسة فتغير الأمر. فمن الأفضل لنا أن نطلق النار بأنفسنا على أن نشهد بأم أعيننا السرقات و السطو و الأعمال البربرية الروسية. يوجد 420 مدينة شيشانية بالضبط، في كل واحدة منها يوجد على الأقل 50 مجاهدا و حوالي الثلاثين من الجنود الاحتياطيين. أي حوالي 33000 شخص يمكنني الاعتماد عليهم، و علاوة على ذلك هناك قادة حربيون و جماعاتهم. و إنني أقوم بتنظيم كافة العمليات مع الحفاظ على النظام فهو الأهم
في الأزقة الروسية الرئيسية و عندما يحل المساء يبرز الجنرالات الروس بطاقاتهم العسكرية، لكن صبيحة اليوم التالي، و على الساحة حتى المساعد لا يتبع ذلك. فهذه هي مشكلة الجنود الروس : إنهم لا يريدون أن يموتوا !

ـ هل هذه الحرب هي حرب دينية ؟ و ما هو موقفكم إزاء " الوهابية " ؟

إن هذه الحرب ليست حربا دينية بحال من الأحوال، إنها حرب تحرير قومي. فنحن نناضل لنحرم روسيا حقها الذي تدعيه في أن تبيدنا كأمة. لقد بلغت التاسعة و الأربعين من العمر و قد شهدت التهجير الذي قام به ستالين عام 1944 و عاصرت حربين و أنا أعرف بالضبط ما الذي أتحدث عنه. أما اليوم فإننا حتى لا نعرف بوضوح من الذي نحارب ضده : أهم العسكريون أم الاستخبارات الخاصة ؟ أما بشأن " الوهابية" فلا أحد هنا لديه فكرة عما تعنيه حقا هذه الكلمة، فنحن نقوم بواجباتنا الدينية الإسلامية حسب ما تعلمناه عن أجدادنا و " الوهابية " لا تحتل مكانا في عاداتنا

ملاحظة : نشر هذا اللقاء الذي أعدته آن نيفات في جريدة الليبيراسيون الفرنسية بتاريخ 2 تشرين الأول 2000