الشيشان
في خمسة عشر سؤال
بقلم
: جورج شاراشيدزة
وُلِدَ
جورج شاراشيدزة من أب جورجي و أم فرنسية، و بدأ اهتمامه بشؤون
القفقاس عام 1953 تحت رعاية جورج دوميزيل و كلود ليفي ستروس. قضى
جورج شاراشيدزة خمسة عشر عاما في قسم الحضارات الشرقية حيث أسس
عام 1969 فرعا للدراسات الجورجية و القفقاسية في المعهد القومي
للغات و الحضارات الشرقية
لا يزال يُدرِّس حتى الآن و يحاضر في المدرسة العملية للدراسات
العليا جورج شاراشيدزة هو المختص الفرنسي بشؤون الشيشان و هو الأفضل
لأنه الوحيد
ـ
من أين جاء الشيشانيون ؟
الشيشانيون، مثل جيرانهم الأنغوش، هم شعوب موغلة في القدم إذ نجد
آثارا تدل على وجودهم في القفقاس منذ الأزمنة القديمة كما نستطيع
تتبع تاريخهم عبر العصور. كان أجدادهم " المشتركون" الكاركار أشداء
إلى الحد الذي دفع الرومانيين لمهاجمتهم. و لقد أربكو بومبي شتاء
65 ـ 66 قبل الميلاد لدرجة أن الرومان قد اقتنعوا أن هؤلاء الغرباء
الأشداء لا بد أن يكونوا قرينين للأمازونيين الشهيرين. لقد كان
يتوجب أن تعود تلك المحاربات الأمازونيات الأسطوريات اللاتي كن
يقطعن أحد ثديَّيهن ليتمكنَّ من إطلاق السهم بشكل أفضل. لقد كانت
تلك المحاربات مرتبطات إذاً بأجداد الشيشان و الأنغوش. لماذا كان
هذا الشرف الرفيع معزوا للكاركاريين ؟ لأن الرومانيين كانوا قد
عثروا على جثث نساء مدججات بالسلاح من الصعب بمكان عدم مقارنتهم
بالنسوة اللاتي يجاهدن في حرب اليوم
ـ
من هم " شعوب الجبال" أولئك الذين تتحدث عنهم روسيا ؟
إنهم مجموعة سكان القفقاس. إذ يمتد الحاجز الطبيعي الواسع من البحر
الأسود حتى بحر قزوين ليُشكِّل عالما منفصلا اسمه القفقاس، بوتقة
رائعة من الشعوب والثقافات حيث يوجد هناك ما بين 35 ـ 40 لغة مختلفة.
و المقصود هنا هو لغات تماما و ليس لهجات و هذه اللغات غير معروفة
في مكان آخر، فهي متباينة فيما بينها كتباين اللغة الفرنسية عن
الدانماركية أو الرومانية. لم تخضع شعوب القفقاس، و على الأخص
الشعب الشيشاني، لأية قوة حتى القرن التاسع عشر. و لقد اجتاح بلادهم
عبر العصور عصابات و غزاة مختلفون طامعون من النورمانديين و الرومانيين
في بحر قزوين، و المغول في تترستان. كان أولئك النَهَبَةُ يأتون
أفواجا إلا أنهم لم يكونوا ليعودوا أبدا. و لئن تمكنوا أحيانا
من انتزاع ضريبة ما،إلا أنه لم يكن في نيتهم أبدا إخضاع الشعوب
المحلية التي كانت غالبا ما تلوذ بالجبال منتظرة مرور هذه الغمامة
ـ ما هي إذا طبيعة الحرب في القفقاس ؟
في القرن الثامن عشر و مع حكم كاترين الثانية لروسيا تغير كل شئ
للمرة الأولى في تاريخهم يجد القفقاسيون أنفسهم وجها لوجه أمام
حرب غزو و تصفية. فقد قام الروس ببناء سلسة من القلاع يدعمها القوزاق
الذين كانوا يزحفون شيئا فشيئا نحو الجنوب. ذلك الغزو كان كالمدحلة
التي تسحق كل ما يقع تحتها، كما تم استحضار مستوطني جُدد ليقطنوا
تلك الأراضي التي غادرها أهلوها : لقد كانت في الحقيقة حرب توطين
استعمارية. كان إيفان الرهيب هو الذي أطلق سابقا فكرة احتلال الجنوب
إذ أن الدولة الروسية لم تكن لتتصور نفسها بدون توسع مستمر، سياسة
قديمة خلَّفت وراءها اليوم العديد من الآثار . ابتداء من عام 1829
غدت الحرب حربا شاملة، و ذلك عندما شرع جنود نيقولا الأول بدَكِّ
جميع القرى في القفقاس عن بكرة أبيها. و تنتهي الحرب بعد ثلاثين
عاما. لقد أصبحت البلاد روسية بعد أن قُتِلَ أكثر من 200 ألف شيشاني
و هُجِّر أكثر من ذلك بكثير إلى الإمبراطورية العثمانية حيث يوجد
اليوم تجمعات شيشانية هامة في تركيا و الأردن
ـ كيف
ذاع صيت الشيشانيين كمحاربين أشداء ؟
من هذه الحرب بالتأكيد. فلقد كانت ضروساً إذ استبسل شعوب الجبال
و ناضلوا بضرواة مستخدمين أساليب السطو و نصب الكمائن التي لم
تكن لتصيب الجنود الروس بالذعر فحسب، بل و القوزاق أيضا، فبالرغم
من أنهم لم يكونوا معروفين بالجبن إلا أن الفكرة كانت تُميتهم
رعبا. و على سبيل المثال نورد هذه الأغنية المأساوية التي كان
ينشدها قوزاق الدون :
" لقد جاءوا ، لقد جاء القوزاق
القاطنون على الضفة الأخرى لنهر كوبان
إنهم يرون و يشرعون في البكاء
فما هو القدر المتربص بهم ؟
يا لنا من قوزاق مساكين،
لنذهب و نعش على الضفة الأخرى لنهر كوبان،
الشيشانيون خلف الأدغال
يتربصون بنا كما يتربص القط بالفأر "
ـ ما هو الموقف الذي اتخذته السلطة السوفيتية إزاء الشيشان ؟
إنه لم يكن ليختلف أبدا عن الموقف الذي اتخذه القياصرة. فعقب انهيار
الإمبراطورية عام 1918 قامت شعوب القفقاس بتشكيل " فدرالية الجبليين
" التي جاهدت في البداية ضد الجيش الأبيض القيصري ثم ضد الجيش
الأحمر و بعد ذلك ضد الجيوش البلشفية عندما حاولت بدورها اجتياح
القفقاس. و تستمر المقاومة شبه المستترة حتى الثلاثينيات عندما
يقوم ستالين باعتقال و نفي الآلاف من الشيشانيين و الأنغوش. لم
يكن ذلك بأكثر من صورة لما سيحدث فيما بعد. ما بين عامي 1943 ـ
1945 و بحجة التعاون مع الألمان تُنفى ستة شعوب بأكملها من القفقاس
إلى آسيا الوسطى بقسوة لم يُرى لها مثيل، كان الشيشانيون أحد تلك
الشعوب
ـ
هل تواطأ الشيشانيون مع الألمان فعلا ؟
بالتأكيد ليس إلى الحد الذي يقتضي تهجيرهم أجمعين. إلا أنه
و لدى دراستي لهذه المسألة بتعمق أحسست أن هذا التواطؤ المزعوم
لم يكن غير مقبول فحسب بل و مستحيلا من الناحية المادية. أولا
: لأن معظم الشيشانيين لم يلتقوا أبدا بأي ألماني إذ أن قراهم
كانت تقع خارج المناطق المحتلة. ثانيا : معظم الرجال كانوا يحاربون
في الجيش الأحمر ضد العدو لقد كان تفكير الشيشانيين لدى اجتياح
أراضيهم منحصرا بالمقاومة فحسب الأمر الذي أثبت صحته عبر التاريخ.
كما أنني قد راجعت عدة أرشيفات ألمانية لأصل إلى نفس النتيجة :
إن الشيشانيين لم يتواطئوا على مع الألمان على الإطلاق. و تلك
القصة لم تكن بأكثر من ذريعة اتخذها ستالين لتسوية مشكلة القفقاس
نهائيا عن طريق تطهير منطقة عبور روسيا إلى البحار الدافئة. من
جهة أخرى كان على كروشتيف الاعتراف بذلك : ابتداء من عام 1957
يسمح للشيشانيين بالعودة إلى أوطانهم رادا لهم الاعتبار بل و حتى
متقلدين الأوسمة في بعض الأحيان
ـ ماذا عن المافيا الشيشانية ؟
لقد
ظهرت صورة الشيشاني الشرس قاطع الطريق في القرن الثامن عشر و ظلت
هكذا حتى القرن التاسع عشر إلى أن بلغت ذروتها في القرن العشرين
عندما رفض الشيشانيون الخضوع للنظام البلشفي الشيشاني، إنه الغريب
الجنوبي، الغنمة السوداء حسب ما يلقبه الروس بالرغم من تمتع القفقاسيين
ببشرة بيضاء و عيونهم ملونة على الأغلب، و تأتي اليوم صورة المافيوي
لتتمم رسم هذه اللوحة. لا يعني هذا أن الشيشانيين قديسيون فالمافيا
موجودة فعلاً في غروزني و حتى أنها استمرت في النمو منذ الانحطاط
العام الذي دب في سلطات الاتحاد السوفيتي الأسبق. لماذا ؟ بسبب
البترول بالدرجة الأولى. فالشيشانيون يضخون البترول رويدا رويدا
في خط الأنابيب الذي يُوصِّل بترول الحقول النفطية إلى شواطئ البحر
الأسود وكذلك يقومون ببيع صهاريج كاملة من الوقود إلى السوق السوداء
بأسعار لا تضاهى إذ أنها لا تكلفهم شيئا. يضاف إلى هذا أن القفقاس
بمثابة الطريق الطبيعي لكافة أنواع التجارة بين أوربا و آسيا حيث
توجد هناك واحدة من أكثر المافيات سلطة في المنطقة قبل الحرب كانت
غروزني مليئة بأجزاء ضخمة من موتورات السيارات الألمانية، و إنه
لمن المألوف تماما أن ترى اليوم شيشانيا في طريقه إلى المعركة
مستقلا المرسيدس أو الـ ب. م. ف لقد ظهرت صورة الشيشاني الشرس
قاطع الطريق في القرن الثامن عشر و ظلت هكذا حتى القرن التاسع
عشر إلى أن بلغت ذروتها في القرن العشرين عندما رفض الشيشانيون
الخضوع للنظام البلشفي. الشيشاني، إنه الغريب الجنوبي، الغنمة
السوداء حسب ما يلقبه الروس بالرغم من تمتع القفقاسيين ببشرة بيضاء
و عيونهم ملونة على الأغلب، و تأتي اليوم صورة المافيوي لتتمم
رسم هذه اللوحة. لا يعني هذا أن الشيشانيين قديسيون فالمافيا موجودة
فعلاً في غروزني و حتى أنها استمرت في النمو منذ الانحطاط العام
الذي دب في سلطات الاتحاد السوفيتي الأسبق. لماذا ؟ بسبب البترول
بالدرجة الأولى فالشيشانيون يضخون البترول رويدا رويدا في خط الأنابيب
الذي يُوصِّل بترول الحقول النفطية إلى شواطئ البحر الأسود وكذلك
يقومون ببيع صهاريج كاملة من الوقود إلى السوق السوداء بأسعار
لا تضاهى إذ أنها لا تكلفهم شيئا. يضاف إلى هذا أن القفقاس بمثابة
الطريق الطبيعي لكافة أنواع التجارة بين أوربا و آسيا حيث توجد
هناك واحدة من أكثر المافيات سلطة في المنطقة. قبل الحرب كانت
غروزني مليئة بأجزاء ضخمة من موتورات السيارات الألمانية، و إنه
لمن المألوف تماما أن ترى اليوم شيشانيا في طريقه إلى المعركة
مستقلا المرسيدس أو الـ ب. م. ف
ـ من هو دوداييف رئيس الشيشان ؟
رجل ذكي بكل تأكيد. جنرال طيران لامع كان يقود أسطولا في أسيتونيا
في نهاية الثمانينات، أثار ضجة لدى دعمه للانفصاليين في البلطيق
الرجل الذي حكم الشيشان كان إذا بطل الاستقلال و قد تقلد لهذا
السبب مقاليد الحكم في بلاده. و رغم هذا فقد أظهر عدم مقدرته على
الإدارة الديمقراطية في بلاده إذ كان نظامه يسير أكثر فأكثر نحو
التفرد بالسلطة
ـ لماذا
شرعت روسيا باستخدام العنف ؟
أعلن دوداييف استقلال الشيشان في شهر أيلول من عام 1991 الأمر
الذي لم تكن موسكو لتتمكن من احتماله على اعتبار أن هذا البلد
الصغير الذي لا تتعدى مساحته الـ 13 ألف كم2 و البالغ عدد سكانه
المليون هو جزء مُتَمِّم للفدرالية الروسية. إلا أن السؤال الحقيقي
هنا هو : لماذا انتظر يلتسن ثلاث سنوات ليرد على ذلك؟ لماذا قرر
إعلان الحرب في شهر كانون الأول في الوقت الذي كان دوداييف يفقد
شعبيته أكثر فأكثر؟ لقد كانت النزاعات مع المعارضة تزداد عنفا،
فالنزاعات في الشيشان تُسوَّى بالأسلحة الثقيلة، كان يكفي بالتأكيد
انتظار بضعة شهور أخرى، ربما اثنين أو ثلاثة فقط ليسقط النظام
من تلقاء نفسه كثمرة ناضجة. إن إعلان يلتسن للحرب في الشيشان لم
يكن إذا لتسوية المشاكل في الشيشان بل لأسباب أخرى أكثر غموضا
يصعب البوح بها
ـ ما الذي كان يبحث عنه يلتسن في الشيشان ؟
ندخل هنا بالضرورة في مجال الفرضيات فقد قُدِّمت عدة احتمالات
إلا أنني اعتقد أن يلتسن نفسه و في أول تقييم له لنتائج هذه الحرب
قبل خمسة عشر يوما قد أشار أمام الدوما إلى السبب الحقيقي. فمن
الذين هاجمهم يلتسن؟ الجيش. إن أحد أهداف العملية الخطيرة في الشيشان
كان في الواقع و على الأغلب زعزعة الجيش الروسي ! هذه الفرضية
التي كان يصعب تصديقها أو النطق بها كانت قد تشكلت منذ بداية الحرب
و لكن يبدو أنها تتأكد اليوم. فقد أراد يلتسن عمدا أن يزج في القضية
الشيشانية جيشا غير مستعد للحرب ليُظهِر الجيش ضعفه و بالتالي
يفقد اعتباره
لم أراد يلتسن المجازفة بالجيش الروسي؟ لإضعاف عدة جنرالات قد
أصبحت سلطتهم زائدة عن الحد
ـ هل الشيشان هي " قضية روسية داخلية " ؟
هذا ما تدعيه موسكو و ما يسعى الغربيون جاهدين لتصديقه. إلا أن
هذا النوع من الأزمات يبقى دوما " قضايا داخلية " إلى أن يأتي
يوم يجب فيه الإقرار بأن الأمر ليس كذلك أبدا. و انظروا إلى قضية
الجزائر في فرنسا في الستينات و التي تَرى فيها الشيشان عدة نقاط
مشتركة مع قضيتها
إنني لا أرى أي " حق " خاص ـ إلا حق المحتل ـ يُمكِّن روسيا من
السيطرة على الشيشان معتمدة منطق الأقوى ـ الأمر الذي لم تقبل
به الشعوب المعنية ـ فبدأت بحرب لا تنتهي أبدا. و حتى لو افترضنا
بأنها " شأن داخلي " فإنه و منذ اللحظة التي تتحول فيها الأمور
إلى حرب شاملة و محاولة لإقصاء شعب بأكمله عن أرضه ـ كما هي الحال
في غروزني اليوم ـ فإن الأمر لا يعود كذلك. و من جهة أخرى فإن
موسكو تتذرع بحقها في حماية الحدود الروسية لكن أين هي تلك الحدود؟
و من الذي يهددها؟ إنه لمن غير الممكن الحديث في نفس الوقت عن
" قضية داخلية " و " حماية الحدود "، فأين هي الشيشان ، أهي في
الداخل أم الخارج؟ إنه لأمر مهترئ. إنه عبثي تماما
ـ كيف يمكن تفسير موقف الغربيين ؟
إن الغربيين يفعلون كما تفعل النعامة. و هذا ليس بالأمر الجديد
وليس خاصا بالقضية الشيشانية. إلا أن دعمهم الكامل لبوريس يلتسن
أمر خاص جدا و زيغ حقيقي إذا ما أردنا التفكير بعمق. إننا نلقي
بمشاعرنا الطيبة و نسبغ بمُثلنا العليا على أحد ما و هو يلتسن
هنا. يلتسن الذي كان سيُجدِّد مستقبل روسيا فاتخذناه بطلا للديموقراطية
و كم سيكون الأمر سيئا إذا ما أظهر في تصرفاته تدابير ليس فيها
الكثير من الديموقراطية، و سيكون الأمر أسوأ إذا ما أوشك يلتسن
على السقوط. فلنفكر بذلك. لكن ما الذي نعرفه عنه؟ لا شئ. فالأمر
هكذا مجرد صورة مرسومة سابقا. و كل ما لدينا هو تصور خيالي ليلتسن،
هذا هو كل ما ندعمه إزاء و ضد الجميع. حتى و لو كان يلتسن الحقيقي
عكس ما هو مزعوم عنه فعليه أن يكون ذالك الديموقراطي الفرضي الذي
ندعمه. إن يلتسن يستطيع محو غروزني من الخارطة و أن يبقى في نفس
الوقت بشيرنا بالديموقراطية
ـ هل نجح يلتسن في ضربته ؟
لم يُسوَ الأمر بالطرق العسكرية فالاستيلاء على غروزني ليس بأكثر
من صورة و تغيير مكان المشكلة لا أكثر. و لنتذكر أن الحرب الحقيقية
في أفغانستان قد بدأت بعد سقوط كابول
أما إذا كان يلتسن يريد زعزعة الجيش فإنه قد نجح في ذلك. فهل قام
بذلك عامدا أم أنه اكتفى بتحصيل نتائج المعمعة؟ عندما يفلت زمام
أمر ما و لا تستطيع ضبطه تظاهر بأنك أنت من نظَّمه… الأمر ليس
ذو أهمية، فها هي النتيجة : الجيش النظامي قد فقد اعتباره و الدليل
أنه لا يمكن الوثوق الآن إلا بقوات وزارة الداخلية الخاصة التي
قبضت على زمام الأمور في الشيشان شيئا فشيئا
إلا أن هذا لا يعني أن الحرب في الشيشان قد تحولت إلى عملية شرطة
بسيطة : فقوات وزارة الداخلية هي ثلاثة تفرعات عن الاستخبارات
الروسية السرية التي تعتبر أفضل الجيوش تجهيزا فقد درَّبتها روسيا
و كافأتها و يعمل أفراد منها مُقنَّعين كما " النينجا " في الجزائر.
هذا الجيش يُقدِّم خدماته لصالح من يدفع له و هو يلتسن هنا. من
جهة أخرى فقد قام يلتسن بإظهار استعراض قِوى حقيقي على " الطريقة
القديمة " مبينا أن روسيا يلتسن ليس لديها ما تحسد به روسيا ستالين
أو القياصرة. إنها مزايدة يمينية إزاء جميع أولئك الذين يطلقون
صفارات الإنذار لجيرنيفوفسكي أو الذين يشعرون بالحنين إلى النظام
الشيوعي. في خطابه الختامي في البرلمان أكد يلتسن على الأخطاء
المرتكبة بحق روسيا إلا أنه لم يتفوه بكلمة عن الآلاف الذين قضوا
نحبهم سابقا بلا فائدة بسبب هذه الحرب
ـ ما هي الدروس الأولى للنزاع ؟
هنالك الكثير منها إلا أنني سألقي الضوء على إحداها على الأخص
: و هو ظهور رأي عام في المجتمع المدني و الجيش في آن معا. فقد
أظهر الجيش أنه لم يعد مستعدا لخوض أية حرب غير عادلة. إذ رفض
المئات، سواء من الجنود العاديين أو حتى من أعلى الجنرالات شأنا،
الانصياع إلى الأوامر. أما الشعب فقد أظهر في معظمه كرهه للحرب
و بأنه من الصعب جعله يزدرد أي شئ. فهذه هي المرة الأولى في تاريخ
البلاد التي لُوحظت فيها تلك المعارضة للأوامر الصادرة من فوق.
و هذا إن دلَّ على شئ فهو يدل على أن الشعب الروسي لا علاقة له
بجنون إدارييه و بأن سبعين عاما من الفظائع لم تنجح في إفساده
كليا. و إذا ما نظرنا من هذه الزاوية نجد أن هموم يلتسن متزايدة،
إلا أن الأمر مطمئن نوعا ما
ـ ما هو مستقبل الشيشان ؟
إنه مرهون بموسكو فقط. فالمفاوضات وحدها ستسمح بالخروج من المأزق.
فمن الممكن أن تستمر الحرب إلى ما لانهاية في الجبال و عندها سيلجأ
الشيشانيون إلى اتباع أسلوب حرب العصابات و هو اختصاصهم. فحتى
الآن لم تُتح لهم الفرصة لإظهار ما هم قادرون على فعله. إنه مرهون
بموسكو فقط. فالمفاوضات وحدها ستسمح بالخروج من المأزق. فمن الممكن
أن تستمر الحرب إلى ما لانهاية في الجبال و عندها سيلجأ الشيشانيون
إلى اتباع أسلوب حرب العصابات و هو اختصاصهم. فحتى الآن لم تُتح
لهم الفرصة لإظهار ما هم قادرون على فعله
إن أثر هذه الحرب على الفدرالية الروسية سيئ للغاية و هو معاكس
تماما لمقاصد موسكو. فالحرب أخذت تُقرِّب بين شعوب القفقاس و حتى
أكثر المعادين لمغامرات دوداييف و الذين كانوا سيحاولون ترك الاتحاد
قد جعلهم ذلك يفرون منه، إذ كيف يمكنهم الاعتماد على نظام أو حكم
يعرضهم للخطر و يهدد وجودهم ذاته؟
جمعه
: كريستيان سورج
نقلتها إلى العربية : وكالة أنباء القفقاس