الأديان القديمة للأديغة و دخول الإسلام إلى القفقاس 

توطئة
الإله تخا
أشكال العبادة
ألست أديغة؟
دخول الإسلام إلى القفقاس

توطئة

الأديغة هم أحد شعوب شمال القفقاس، يقطنون منذ قديم الزمان و   حتى الآن المناطق الوسطى و الغربية للقفقاس تعتبر لغة الأديغة إحدى اللغات المحكية لسكان المنطقة المحليين. يلقب سكان المنطقة الغربية وطنهم بجركسيا و أنفسهم بالجراكسة. و لقد ورد ذكرهم للمرة الأولى في المصادر العثمانية ـ إلى جانب الشعوب القفقاسية الأخرى ـ تحت اسم تشركس ـ تشراكس أما العرب فيدعونهم شركس ـ شراكس. لم يقض ِ الأديغة أية فترة من فترات التاريخ المعروفة دون دين فقد اعتنقوا على مر التاريخ ثلاثة أديان هامة يشكل المسيحية و الإسلام اثنين منهما. يبحث الدين  القديم للأديغة ثلاثة مواضيع أساسية تتمثل بالإيمان و العبادة و الأخلاق. كما يمكن القول بأنهم آمنوا بالسحر و الشعوذة و الطلسم و الفال و غيرها من المعتقدات الباطلة إلى جانب بعض التصورات المقدسة و عبادة بعض موجودات الطبيعة كالجبال و الأشجار و غيرها

الإله تخا

كان الإيمان بإله متعال يُشكِّل أحد أهم معتقدات الأديغة القديمة  الأمر الذي نراه في سائر الأديان. و لقد أطلق الأديغة اسم "تخا" على هذا الإله. فهو خالق الكائنات بيده مقاليد كل شئ، يرأف بعباده و يرحمهم لأنه رحيم، يمنح الصحة و هو الذي يعاقب في نفس الوقت. و يُرى في هذه الصفات التي خلعها الأديغة على الإله"تخا" سمات التوحيد. يأتي في المرتبة الثانية بعد الإله "تخا" الإله "شبلة" إله العواصف و هو الذي يقوم عبره الإله "تخا" بتربية البشر. إلى جانب هذا فقد آمن الأديغة ببعض الآلهة الأخرى أيضا هذا و يحتل الإيمان بوجود الآخرة و الجنة و جهنم و الثواب و العقاب و خلود الروح و إعادة البعث و الملائكة و الشياطين و الجن جزءا من المعتقدات القديمة للأديغة

أشكال العبادة

تحتل العبادة مكانة هامة في الدين القديم للأديغة و كانت تجري ضمن  "غابات صغيرة مقدسة" تستخدم كأماكن للعبادة التي تتألف من عزف الموسيقى و الرقص و بعض المظاهر الأخرى. و كان "التخامادة" هو الذي يقوم بتنظيم طقوس العبادة. إلى جانب ذلك توجد في الدين القديم للأديغة العبادات التي تُشاهد في الأديان الأخرى من صوم و أدعية و تقديم قرابين. هذا و تحتل مناسبتي الوفاة و الولادة مكانة هامة للغاية إذ أن المراسم التي تقام لكيليهما كانت تعتبر من أهم الواجبات الدينية. و كما هو الحال في سائر الأديان البدائية الأخرى في العالم تتحقق هنا أيضا الفرضية القائلة بأن المصدر الأول للدين كان الإيمان بإله واحد الأمر الذي تحول فيما بعد ليصبح إيمانا بآلهة متعددة. ففي معتقدات الأديغة السابقة كان "تخا" هو المركز الأساسي لكل شئ و هو خالق كل شئ

ألست أديغة؟

يعزو الأديغة أهمية كبرى للأخلاق الحميدة إذ كانوا يعتبرون كلمة  الأديغة مرادفة لكلمة الإنسانية، فإذا ما ارتكب أحدهم خطأ أو إثما ما يُقال له ألست أديغة؟ هذا و تندرج سائر القوانين الشفهية التي تنظم جميع مبادئ الأخلاق الفردية و الاجتماعية للحياة تحت اسم " خابزة " و تعتبر "خابزة" أمرا مقدسا يقوم مجلس شورى التخاماديين بمعاقبة من لا يعمل وفقها. بعد أن قمنا بتلخيص الدين القديم للأديغة على هذا النحو يمكننا الآن الحديث عن دخول الإسلام إن الدين المسيحي و إن كان له وجود في القفقاس قبل مجيء الإسلام إلا أنه لم يكن أبدا و في أي وقت من الأوقات فعّالا باستثناء قسم من الأبخاز و قسم من الأوسيتيين و القبردي القاطنين في منطقة مزدوخ فإن كافة السكان القفقاسيين الآخرون يعتنقون الدين الإسلامي. أما فيما يخص المنحدرين من أصول قفقاسية و الذين يعيشون خارج القفقاس ـ فيما عدا الباسكيين المسيحيين ـ فهم أيضا يدينون بالإسلام. فروح شعوب القفقاس لم تتماشَ مع الدين المسيحي

دخول الإسلام إلى القفقاس

دخل الإسلام القفقاس في فترة الفتوحات التي قام بها عمر (رضي  الله عنه) إذ دخل داغستان عقب فتح إيران. و قد اضطرت الجيوش الإسلامية التي دخلت القفقاس في القرن السابع للهجرة لخوض حرب طويلة الأمد مع الخزريين. في هذه الفترة بدأ كل من الداغستان و الشيشان و قسم من سكان المنطقة الوسطى للقفقاس اعتناق الإسلام. و في السنوات التالية بدأ الإسلام يعم كافة أرجاء القفقاس بشكل سريع حيث انتشر المذهبان الحنفي و الشافعي. و من جانب آخر فإن الطريقة "النقشبندية" التي عرفت "كحركة للمريدية" قد لعبت دورا هاما في نشر الإسلام بين كافة فئات الشعب و الجهاد ضد الروس. أما دخول الإسلام إلى شمال غرب القفقاس (شركسيا) فكان متأخرا نسبيا مقارنة مع الشرق. إن نشر الإسلام الذي كان قد بدأ في القرن الثالث عشر قد أتمه كلا من الدولة العثمانية و خانات القرم في القرن الثامن عشر. هذا و يُعتبر نائب الإمام شامل "محمد الأمين" في مقدمة المساهمين بنشر الدين الإسلامي في شمال غرب القفقاس. أدى دخول الإسلام إلى أكثر مناطق العالم تنوعا بالأعراق المختلفة المتعايشة مع بعضها البعض إلى ظهور نتائج عامة يمكن تصنيفها على النحو الآتي


ـ لقد تخلص الشعب القفقاسي من المسيحية التي كانت قد اختلطت بالأديان القديمة ذات الآلهة المتعددة ليتشرف باعتناقه الدين
الإسلامي دين الفطرة
ـ عاشت الجماعات القفقاسية المنتمية إلى مجموعات عرقية مختلفة تحت راية واحدة هي راية الأخوة التي ضمت شملهم تحت شعار الإسلام ـ مع دخول الإسلام إلى المنطقة اكتسبت الجغرافية الإسلامية دولة ذات أهمية كبيرة سواء من الناحية الجغرافية ـ السياسية أو الاستراتيجية
ـ أكسب الإسلام الجهاد المستمر ضد الر وس على مر مئات السنين مزيدا من القوة و زاد من حدة المقاومة مما أنهك الروس الذين ما برحوا يتبعون سياسة التوجه إلى منطقة البحار الدافئة، و هكذا وقف الإسلام حائلا دون تقهقر العالم الإسلامي من جهة الشمال

مصطفى أوزساراي
خبير في قسم الأرشيف