نضال
الشعب القفقاسي لتحقيق الوحدة
كونفدرالية الشعوب القفقاسية
ـ
الكونغرس: نحن الورثة الشرعيون لجمهورية شمال القفقاس
المؤسسة عام 1918
ـ الدور الذي لعبته الكونفدرالية في الحرب
الجورجية ـ الأبخازية
ـ اعتقال شنبه
ـ حملات روسيا المضادة
ـ الكونفدرالية و الخلاف بين الأنغوش و الأوسيتين
ـ الشيشان تنفصل عن الكونفدرالية
ـ أهداف دوداييف
ـ لماذا لم يحالف الكونفدرالية النجاح ؟
توطئة
في
أواخر الثمانينات و تزامنا مع التغيرات الجذرية في السياسة
السوفيتية هيئت مجموعة من المتنورين الجو لإعادة إحياء
فكرة جمهورية شمال القفقاس التي تشكلت بتاريخ 11 أيار
1918
و في كونغرس الشعوب القفقاسية الجبلية الأول المنعقد بتاريخ
25 ـ 26 آب في سوخوم أعلن أن الهدف الأساسي هو إنشاء جمهورية
فدرالية قفقاسية مستقلة. و قرر الكونغرس تعيين موسى (يوري)
شنبه القبردي الأصل رئيسا لجمعية الشعوب القفقاسية الجبلية
كما كانت هناك فكرة بأن يقوم الكونغرس بفعاليات كبرلمان.
و من بين المفوضين عن شعوب الأباظة و الأبخاز و الأديغة
و القبردي و الشركس و الشيشان و الأنغوش كان أشهر الأسماء
هو "سليم خان ياندرباييف"
الكونغرس:
نحن الورثة الشرعيون لجمهورية شمال القفقاس المؤسسة عام
1918
خلال
العاميين التاليين انعقدت اجتماعات في كل من نالتشيك (القبردي
ـ بلقار) و فلادي قفقاس (أوسيتيا الشمالية) و غروزني (الشيشان)
و مخشقالة (داغستان). و بتاريخ 1 ـ 2 تشرين الثاني 1991
انعقد الكونغرس الثالث في سوخوم من جديد تحت اسم الجمعية
الفدرالية و أعلن أنه الوريث الشرعي لجمهورية شمال القفقاس
المؤسسة عام 1918 حضر الكونغرس مفوضون اختارهم الشعب عن
كل من: الأباظة، الأبخاز، الآفار، الأديغة، الشيشان، الدارغين،
اللاك، القبردي، الأوسيتين (أوسيتيا الشمالية و الجنوبية)،
الشركس، الشابسوغ. و لم يقبل كل من الشعوب التالية : البلقار،
القراشاي، القموق إلى جانب النوغواي من الداغستان، المنحدرين
من أصول تركية،الانضمام إلى الكونغرس كما أن كلا من الدارغين
و الليزكي لم يلبيا الدعوة. و جرى التصديق على قرارات
هذا الكونغرس في الكونغرس القومي للشعوب المشكِّلة للكونفدرالية
و البرلمانات
و فيما بعد أشار شنبه، الذي انتُخِبَ لرئاسة مجلس كونفدرالية
الشعوب القفقاسية الجبلية، أن مصدر هذه الحركة ينبع بشكل
تام من رغبة الشعب إلى جانب كونه نابعا من الإدارات الرسمية
للجمهوريات. و يمكننا تصنيف أهم ثلاثة مراحل مدرجة في
جدول الأعمال اليومي للكونفدرالية على النحو الآتي
ـ أن يكون هناك في المرحلة الأولى تعاون بين مختلف الأعضاء
من النواحي الاجتماعية و الثقافية و السياسية
ـ أن يتم حل كافة أشكال سوء التفاهم بين شعوب شمال القفقاس
على أساس من السلام و المودة
ـ و في النهاية، إنشاء وحدات عسكرية مشتركة بين الشعوب
للدفاع ضد الاحتلال الأجنبي الخارجي
الدور
الذي لعبته الكونفدرالية في الحرب الجورجية ـ الأبخازية
يمكن
القول أن القفقاس يأتي في مقدمة البلدان التي لعبت فيها
التجارب التاريخية دورا كبيرا في مجريات السياسة و على
مر العصور. لذا كان إقرار قانون متعلق باللغة الجورجية
في برنامج الدولة في شهر آب من عام 1989 قد ذكّر بالمثال
الذي لا يمحى من ذاكرة القفقاسيين و هو انقراض شعب الأوبيخ
عن بكرة أبيه ( إذ كان أكثر ما يخشاه القفقاسيون أن يتكرر
نفس الشيء بالنسبة للأبخاز )
فقد تبادر للأذهان بأن هذا الفعل هو محاولة أخرى ترمي
إلى نشر الصبغة الجورجية و ازدادت المخاوف أن يكون تكرارا
لما حدث في الأعوام 1918 ـ 1921 و 1935 ـ 1953. إلا أن
القفقاسيين كانوا عازمين هذه المرة على ألا يتركوا الأبخازيين
وحدهم في مواجهة مصيرهم. و هكذا انعقد الكونغرس الثالث
عام 1991 حيث أعطيت ضمانات هامة للسلطات الأبخازية. و
قد ورد في اتفاقية الوحدة لكونفدرالية شعوب القفقاس الجبلية
أن القوات الموحدة للكونفدرالية على أهبة الاستعداد للوقوف
بوجه أي هجوم أو احتلال. و حسب ما قاله شنبه فإن الشعوب
القفقاسية و الأقليات العرقية الأخرى المشكلة للاتحاد
السوفيتي ترى في أبخازيا ما سيؤول إليه أمرها في المستقبل
بتاريخ
14 آب 1992 دخلت القوات الجورجية أبخازيا. و بسبب عدم
استعداد الأبخاز و الهجوم المفاجئ للجورجيون لم تتمكن
كتائب الأمن القومي الأبخازي من منع توغل الوحدات الجورجية
المتقدمة. و في نهاية الاجتماع الطارئ الذي عقده برلمان
كونفدرالية الشعوب القفقاسية الجبلية أبلغ الإدارة الجورجية
بوجوب ترك الوحدات الجورجية المحتلة للأراضي الأبخازية
قبل تاريخ 21 آب و دفع كافة التعويضات اللازمة لتدارك
الأضرار التي حصلت في فترة الاحتلال. اعتبرت إدارة تيفليس
هذا الإنذار النهائي مجرد تهديدات فارغة لا أكثر. و بناء
على الموقف الذي اتخذه الطرف الجورجي أمرت الكونفدرالية
باعتقال كافة الجورجيين المتواجدين ضمن حدود كونفدرالية
الشعوب القفقاسية الجبلية اعتبارا من تاريخ 21 آب و أخذهم
كأسرى حرب. و زيادة على ذلك فقد اتُخذ قرار يقضي بإرسال
متطوعين حضروا من مجموعات مختلفة إلى أبخازيا. أثّر قرار
الكونفدرالية هذا بشكل كبير على شعوب المنطقة فذهب الآلاف
من المتطوعين من مختلف المناطق إلى أبخازيا. و لقد قوي
موقف الكونفدرالية بشكل كبير بمشاركة القوات المسلحة في
الحرب. في النهاية و في شهر أيلول من عام 1993 ألحق الأبخاز،
بمساعدة هذه القوات، خسائر فادحة بالوحدات الجورجية و
نجحوا بطردهم من الأراضي الأبخازية. و لقد شكلت الكونفدرالية
بسياستها الفعالة تلك عامل ضغط هام
أوضحت
الكونفدرالية عدة مرات للطرف الجورجي أن الإصرار على حل
المشكلة الأبخازية بالطرق العسكرية قد يؤدي إلى حرب تدوم
سنوات طوال. و لقد استخدم القائد الأبخازي فلاديسلاف أودزنبا
هذه الحجة بشكل فعّال. فقد أوضح على سبيل المثال و من
خلال مقابلة أجريت معه ضرورة حل النزاعات القائمة في أبخازيا
بأسرع ما يمكن تفاديا لخطر انتشارها في سائر شمال القفقاس
اعتقال
شنبه
كان
التكوين العسكري للكونفدرالية يعتمد على دعم الشيشانيين
له على الأخص و قد كانت عناصر القوات المستقلة تلك تشكل
تهديدا للحكومة المركزية و علاوة على ذلك فإن قيام الكونفدرالية
بتصريح ينفي حق موسكو بالاعتقال ضمن حدود الكونفدرالية
قد أزعج السلطات الروسية لذا قررت وزارة العدل الروسية
أن كونفدرالية الشعوب القفقاسية الجبلية تخل بالدستور.
و اعتُقِلَ شنبه بتاريخ 23 أيلول 1992 بعد فترة وجيزة
من استدعائه لإجراء مقابلات في وزارة الداخلية. دعم مجلس
شعب القبردي رئيس الكونفدرالية شنبه بشكل كبير. كما وضعت
شروط تطالب باستقالة النائب العام من منصبه و إطلاق سراح
شنبه و خروج وحدات الـ أومون من الجمهورية. كما قام الآلاف
بالتظاهر و تنظيم الاجتماعات و ساد نالتشك بأسرها جو من
البلبلة و الاضطراب. عقب حصول صدامات بين الموالين للكونفدرالية
و وحدات الـ أومون (وحدات الشرطة الروسية السرية) قام
رئيس جمهورية القبردي ـ بلقار "فاليري كوكوف" بالتوقيع
على قرار متعلق بإعلان حالة الطوارئ في العاصمة. و بعد
عدة أيام نجح شنبه بالفرار من السجن إلا أن وجود بعض الجوانب
الغامضة في كيفية فراره قد ترك شكوكا في الأذهان. كما
قيل أنه قد أخلي سراحه للتخفيف من حدة الضغط الذي سببته
فعاليات سلطات القبردي ـ بلقار و مجلس شعب البلقار و جمعية
الأديغة و لمنع محاولة محتملة تهدف لإسقاط الحكومة،و ادعى
آخرون أن الروس قد أخلوا سراح شنبه لمنع انتشار البلبلة
إلى مناطق أخرى من القفقاس
يرى
شنبه أن سير الأحداث بهذا الشكل ناتج ـ بلا شك ـ عن الصراع
المستمر بين السلطات الرسمية للقبردي ـ بلقار المرتبطة
بالفدرالية الروسية بموجب المعاهدة الفدرالية من جهة،
و بين مناصري الحرية الذين يدافعون عن وحدة شمال القفقاس
من جهة أخرى
إن ستار الكتمان الذي أسدل على كيفية فرار شنبه من السجن
و ملف التحقيق الذي فُتِحَ ضده بعد عودته إلى نالتشيك
بعدة سنوات عززا احتمال أن تكون موسكو قد حرّفت فعّاليات
الكونفدرالية بشكل يخدم أهدافها يعلق القائد الشيشاني
المشهور شامل باساييف، الذي لعب دورا فعّالا في القوات
المسلحة للكونفدرالية، على هذا الموضوع بقوله
" إن تحويل الخلافات في أبخازيا إلى حروب كان يخدم مصالح
روسيا فبهذا تضمن روسيا أن يلوذ بها كلا الطرفين خائري
القوى. و إلى جانب ذلك فإن وجود علاقات قريبة لشنبه مع
بعض الأوساط القومية في موسكو كان عاملا آخر يدعم هذه
الحجة ". " يُظهر التاريخ أن كافة المحاولات التي بُذلت
من أجل توحيد القفقاس اعتمدت على فرضية واحدة تتمثل بالعداء
للروس. و إن مهمة موسكو الأساسية أمام التطورات الحالية
هي تفادي ظهور و ضع غير مرغوب فيه كهذا "
حملات
روسيا المضادة
إن
تجاهل هذه الأحداث كان من الممكن أن يأتي بالنفع على الإدارة
الشيشانية لهذا السبب عمدت روسيا إلى اتخاذ بعض القرارات
لتضع تحت رقابتها كافة الأعمال الرامية إلى الوحدة الإقليمية
كان أحد هذه القرارات هو تأسيس طاولة باتيغورسك المستديرة
لشمال القفقاس في شهر تشرين الأول من عام 1992 و الهادفة
إلى عقد مؤتمر بين البرلمانات
و لم تؤدِ الأعمال التي دُبِّرت بهدف إفقاد كونفدرالية
شعوب شمال القفقاس فعّاليتها إلى أية نتيجة لأنها لم تقابل
بدعم من الشعب المحلي فالكونفدرالية، و عقب النجاح الذي
حققته في الحرب الجورجية ـ الأبخازية، قد حازت على دعم
أغلبية شعوب شمال القفقاس
و
صل عدد أعضاء الكونفدرالية بمشاركة الآفار و الدارغين
و الليزكي و الروتول إلى 16 عضوا من الأقليات و عضوا واحد
من الشعب. أما القراشاي و القموق و القوزاق فقد قبلوا
بالانضمام إلى الكونفدرالية كمراقبين. كان السر في نجاح
كونفدرالية شعوب القفقاس الجبلية يكمن بأنها كانت تستمد
قوتها بشكل كامل من دعم الشعب. أظهرت حوادث أيلول عددا
من الأسماء البارزة لزعماء الكونفدرالية الذين حازوا على
تقدير الشعب و تمتعوا بنفوذ قوي مثل : شنبه في القبردي،
أرغون و شامبة في أبخازيا، ألييف و خاليدوف في داغستان.
كما ازداد اعتبار الكونفدرالية بين الأمم أيضا. فلدى مجيء
شنبه إلى تركيا أوائل عام 1994 التقى بمسؤولين على مستوى
رفيع من وزارة الشؤون الخارجية التركية والرئاسة العامة
للأركان. كما قيل بأن الكونغرس الأمريكي قد طلب الالتقاء
بمسئولي الكونفدرالية. في ضوء هذه الشروط لم يعد للغموض
الذي أعقب سؤال من استغل من في الحرب الجورجية ـ الأبخازية
أهمية كبيرة. بل أصبح السؤال الأهم هو : هل ستتمكن الكونفدرالية
بعد هذه المرحلة من حماية وحدتها أم لا. و لقد أجابت الحرب
الشيشانية بالفعل على هذا السؤال
الكونفدرالية
و الخلاف بين الأنغوش و الأوسيتين
شكلت
مناطق الحكم الذاتي في شمال القفقاس و جمهورياته حقلا
للتجارب السياسية القومية لموسكو. فقد كانت السياسة التي
اتبعها ستالين ترمي إلى قطع كافة الروابط بين الشعوب الجبلية.
فالشعوب، و إن كانت قريبة من بعضها البعض، إلا أنها لا
تستطيع إنشاء علاقات فيما بينها إلا عبر وساطة المركز.
فإقامة علاقات رسمية بين منطقتين تتمتعان بحكم ذاتي تتم
عبر موسكو فقط. كذلك أدى تهجير أربعة شعوب قفقاسية من
أوطانها عامي 1943 و 1944 إلى زيادة البلبلة في الميراث
السوفيتي
ففي المرحلة الأولى وجد العائدون من المهجر أنفسهم وجها
لوجه أمام الشعوب التي وطنت على أراضيهم. كما أدى تقسيمهم
بعد ذلك إلى مجموعتين من المتضررين و غير المتضررين إلى
حدوث صدامات بين الطرفين. و كان النزاع الذي نشب في بريغورادني
و فلادي قفقاس بين الأنغوش و الأوسيتين أحد الأمثلة عن
هذه الاستراتيجية. يعود الخلاف القائم بين الأنغوش و الأوسيتين
إلى عهد بعيد نسبيا. إلى جانب هذا فقد غير دخول كلا الطرفين
بسباق للتسلح مع مطلع عام 1991 مجرى هذا الخلاف
من جانب آخر أدى إسكان الملتجئين القادمين من جنوب أوسيتيا
في الأراضي المتنازع عليها و عدم وضوح القانون المتعلق
برد اعتبار الشعوب التي وقعت تحت الضغط إلى تصعيد حدة
التوتر
كان
أحد أهداف الكونفدرالية ـ التي تستوعب النزاعات المحتملة
بين الشعوب المشكلة لها ـ يتمثل بحل كافة الخلافات بين
الأعضاء. فقد ورد في المادة 16 من اتفاقية كونفدرالية
شعوب القفقاس الجبلية ما يلي لدى نشوب نزاع بين الشعوب
المتواجدة في بنية الكونفدرالية و في حال موافقة كلا الطرفين
ستقوم المحاكم الكونفدرالية ببحث القضية. هذا و قد تم
انتخاب أعضاء المحكمة في الكونغرس الذي عُقِدَ في سوخوم
في شهر تشرين الثاني من عام 1991. هذا و لم يكن تطبيق
القرارات الصادرة عنها إجباريا إلا أنه كان يرى قبولا
شاملا لدى الرأي العام. و لقد نجحت الكونفدرالية في فض
النزاعات التي نشبت عام 1990 بين كل من الشيشانيين الذين
وطنوا في داغستان و شعب اللاك
كانت
المنطقة التي تفجر فيها النزاع بين الأنغوش و الأوسيتين
ذات وضع حساس فالعاملان اللذان ظهرا مع عدم الانسجام ذاك
كان من شأنهما أن يؤديا إلى انفصال إقليمي آخر فيما بعد
و قد كان معظم زعماء الكونفدرالية، اللذين كان أغلبهم
من المؤرخين، يدركون أن الدين كان يشكل أحد العوامل الأساسية
التي يمكن أن تسبب التفرقة بين هذه المناطق. لذا لم تأخذ
الكونفدرالية في كثير من الأحيان اعتبارا للفروق الدينية
أو العرقية بل أكدت على كونها بنية مُسخَّرة لخدمة سائر
شعوب شمال القفقاس, و حسب رأي شنبه فإن عامل الدين قد
يفتح الطريق أمام تطورات غير متوقعة إذ كان ـ و على مر
العصور ـ اللبنة الأساسية التي يعتمد عليها حكام المنطقة.
لهذا السبب فإن النزاع الحاصل بين الأنغوش المسلمين و
الأوسيتين المسيحيين قد يؤدي إلى نشوء كتلتين متعارضتين
في المنطقة. إذا ما نظرنا من هذه الزاوية نرى أنه قد كان
للقوزاق دورا بالغ الأهمية في القضية. في الكونغرس المبكر
المنعقد بتاريخ 3 تشرين الأول 1992 في غروزني تغير اسم
الكونفدرالية ليصبح " كونفدرالية شعوب القفقاس"
كان الهدف الأساسي من هذا التغيير يرمي إلى فتح الطريق
أمام القوزاق و باقي الشعوب. أفاد شنبه أن نية إدارة الكونفدرالية
تنطوي أساسا على فكرة قيام تعاون و مشاركة تمتد من البحر
الأسود و حتى بحر قزوين. و دعت الكونفدرالية لدى اجتماعها
في نالتشيك بتاريخ 15 كانون الأول 1991 بإيقاف النشاط
مؤقتا. بفضل هذا كان يمكن الوصول إلى حل سلمي للخلافات
بين الأنغوش و الأوسيتين و بالشكل الذي يرغبون به. تجدد
هذا النداء بتاريخ 28 شباط 1992 في غروزني. إلا أن الوصول
إلى اتفاقية نهائية كان يبدو أمرا صعبا للغاية، فعقب إلغاء
جمهورية الشيشان المتمتعة بالحكم الذاتي أصبح من غير الممكن
إرجاع سائر الأراضي المتفرقة إلى سابق عهدها. كما أن نتائج
التهجير النفسية قد خلفت آثارا بالغة؛ فعلى سبيل المثال
كان يعتبر عدم تمكن أحد الشبان من استعادة منزل والده
في أنغوشيا تلطيخا لشرف العائلة
اندلعت
النزاعات المسلحة في شهر تشرين الأول 1992، و لدى عدم
تمكن الكونفدرالية من إيقاف الأنغوش أو منع دخول الوحدات
الروسية إلى المنطقة بناء على طلب الأوسيتين الشماليين
ازدادت حدة التوتر بين الكونفدرالية و الأنغوش. في الحقيقة
فإن العلاقات بين كلا الطرفين كانت قد تأذت و منذ عهد
بعيد. فالأنغوش الذين كانوا يشكلون جزءا من الكونفدرالية
منذ شهر آب 1989 قد رفضوا الانضمام إلى الكونغرس المنعقد
في تشرين الثاني 1991 في سوخوم. و قد يكون الاهتمام الخاص
الذي أبدته إدارة الكونفدرالية إزاء الأوسيتين أحد العوامل
التي أزعجت الأنغوش. ففي الكونغرس الذي عُقد في غروزني
بتاريخ 17 ـ 18 تشرين الأول قيل إن أوسيتيا الشمالية هي
بمثابة العمود الفقري لروسيا في شمال القفقاس، فمن الممكن
أن تغير جمهورية أوسيتيا الشمالية و بمنتهى البساطة الموازين
السياسية و القومية في المنطقة. و لدى إعلان الأنغوش المسملون
استعدادهم لشن هجوم عسكري على أوسيتيا الشمالية أصبحوا
وجها لوجه أمام خطر إخراجهم من الكونفدرالية. و من جانب
آخر فقد كانت هناك ادعاءات تفيد أن شمال القفقاس كان يدعم
أوسيتيا الشمالية بالوحدات المسلحة
عبر
شنبه عن رأيه بأن النزاعات الحاصلة بين الأنغوش و الأوسيتين
هي أسوأ ما يمكن حدوثه في شمال القفقاس فما حدث كان من
علامات الانقسام داخل الكونفدرالية، و قد اعتبر شنبه كلا
من روسيا و جورجيا مسؤولتين عما يحدث. كما أعرب يوسف سوسلانبيكوف
رئيس برلمان الكونفدرالية أن النزاع بين أوسيتيا الشمالية
و أنغوشيا يشكل جرحا معنويا في الكونفدرالية نظرا لكونهما
عضوين فيها. و رغم إقرار حكومتي الأنغوش و الأوسيتين بهذا
إلا أن الكونفدرالية لم تتولَ دور قوة لحفظ السلام في
المنطقة. استغلت الوحدات الروسية هذه الفرصة لعزل الشيشان
فاستوطنت في المنطقة على الفور. رغم كل ما حدث فإن النجاح
الذي حققته الكونفدرالية في الحرب الجورجية ـ الأبخازية
قد حال دون فقدانها لهيمنتها
الشيشان
تنفصل عن الكونفدرالية
في
الفترة التي أعقبت تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 حصلت
الجمهوريات الاتحادية المشكلة للنظام السوفيتي على استقلالها
بشكل تلقائي و تم قبولها على الساحة الدولية كدول حرة.
و في نهاية نفس العام أيضا أعلنت أكثر من 20 جمهورية سوفيتية
اشتراكية ذات حكم ذاتي استقلالها، في نفس الوقت ظهرت حركات
قومية لاقت تأييدا كبيرا من الرأي العام أثناء مرحلة التغيير
تلك و تحت هذه الظروف برز اتجاهان مختلفان : ففي الوقت
الذي انشغلت فيه الدول حليفة الاتحاد السوفيتي بالحفاظ
على وحدتها القومية كانت الأقليات تطالب بأكثر مما تعطيه
لها طبقة النخبة و غالبية الشعب. نتيجة لذلك تفجرت النزاعات
على نطاق واسع، كما أن الفراغ الإيديولوجي الذي خلفه انهيار
النظام الشيوعي قد حل محله المذهب القومي الذي شمل كافة
الفئات العرقية
كانت الفدرالية الروسية مكونة من بنية خاصة بها، فبما
أن روسيا كانت إمبراطورية مؤلفة من 80 شعبا مختلفا فإن
نزع قطعة من مركزها يمكن أن يؤثر على الدولة بأكملها فتكوينها
أشبه ما يكون بلعبة الدومينو. لهذا السبب فقد شكَّل إعلان
الشيشان لاستقلالها من طرف واحد عام 1991 مصدر إزعاج للسلطات
الروسية. و قابلت موسكو هذا البيان بردة فعل قاسية للغاية
إذ أرسل يلتسن وحدات عسكرية إلى فلادي قفقاس و هدد باحتلال
الشيشان ما لم تلغِ هذا البيان. عقب توتر العلاقات بين
الشيشان و موسكو تجمعت وحدات متطوعة في غروزني حضرت من
المناطق الأخرى للقفقاس و عندما لم يوافق البرلمان الروسي
على أوامر يلتسن انسحبت القوات الروسية و اضطرت لإقامة
سلام جبري و حساس بين كلا الطرفين
كانت
الخطة الأساسية التي استخدمتها الإدارة الشيشانية أثناء
حركات احتلال الشيشان بين عامي 1991 ـ 1994 تقوم على فرضية
أن هذا الاحتلال قد يؤدي من جديد إلى حروب قفقاسية شاملة
و لقد تحدث دوداييف لمرات عدة أن توحيد القفقاس لا يمكن
أن يتحقق ما لم تنفصل كافة الجمهوريات القفقاسية عن روسيا.
و بعد استلام دوداييف للحكم بذل جهودا كبيرة لدعم وحدة
القفقاس لكن عقب دخول الوحدات الروسية الأراضي الشيشانية
أواخر عام 1994 شاع اعتقاد بتوسع رقعة الحرب لتشمل جمهوريات
مجاورة في أماكن عدة في الغرب و الفدرالية الروسية و كانت
سياسة الكونفدرالية الفعالة في الحرب الأبخازية ـ الجورجية
تدعم هذه الفرضية. رغم هذا لم تكن و حتى عام 1992 لترد
إمكانية حدوث حرب قفقاسية واسعة النطاق. يعود هذا إلى
عدم وجود وحدة فكرية حول ما يتعلق بمستقبل المنطقة و مستقبل
الكونفدرالية بين كل من المسؤولين الشيشانيين و إدارة
الكونفدرالية. لذا فقد كان للكونغرس الطارئ الذي انعقد
في غروزني في هذه الظروف ما بين 2 ـ 4 تشرين الأول 1992
أهمية بالغة. فهنا قد ظهرت و لأول مرة خلافات عميقة في
وجهات النظر بين كلا الطرفين. و قد وقعت قبل الكونغرس
مباشرة حادثتان هامتان
أهداف
دوداييف
في
الكونغرس الذي عُقد في سوخوم في شهر تشرين الثاني 1991
أخذت الكونفدرالية على عاتقها مسؤولية كبيرة تتمثل بأن
تكون خلفا " لجمهورية الشعوب الجبلية المؤسسة عام 1918".
لكن و في الفترة التي أعقبت هذا الكونغرس تبين أن الكونفدرالية
لم تقم بأية محاولات جدية لتحقيق ذلك. و وجد دوداييف الذي
كان يتابع مجرى الأحداث أن هذا هو الوقت المناسب لتحقيق
الغاية العليا المتمثلة " بتوحيد شمال القفقاس " تحت علم
واحد تحت زعامة دوداييف و في أوائل أيلول من عام 1991
تم اجتماع المائدة المستديرة القفقاسية حيث وجه دوداييف
نداء إلى جميع شعوب القفقاس طالبا منهم بذل الجهود و التعاون
لتحقيق غاية " القفقاس الوطن " الذي يسعى لبنائه كافة
شعوب القفقاس كي يعيشوا فيه بأمن و يتابعوا مسيرة تطورهم
الحر. كما جرى من جهة أخرى الحديث و للمرة الثانية عن
ضرورة تأسيس نظام دفاعي موحد يحفظ الأمن المشترك في المنطقة
لكافة الشعوب القفقاسية المشكلة للكونفدرالية إلى جانب
تأسيس مجلس المنطقة العليا. في آخر الشهر انتشرت أخبار
تفيد بأن دوداييف يخطط لتأسيس دولة جبلية. قام بنشر هذه
المعلومة موفلادي أودوغوف رئيس هيئة الإعلام و الأخبار
في جمهورية الشيشان
لنعد الآن إلى الكونغرس الطارئ المنعقد في غروزني. جرى
في الكونغرس النقاش حول البيانات التي قام بها الزعماء
الرسميون للجمهوريات الذين قالوا بأن الاتفاقية الفدرالية
تتعارض مع مصالح الشعوب القفقاسية. إلى جانب هذا اشترطوا
انسحاب القوات الروسية من المنطقة و توحيد قوات إقليمية
قادرة على حفظ الأمن العام و الإقرار باستقلال الشيشان
و أوسيتيا الجنوبية و أبخازيا رغم كون كل ما ذكرناه سابقا
على علاقة وطيدة بمخططات دوداييف إلا أنه لم ينوه عن مخططاته
تلك. فحسب رأي دينغا خاليدوف رئيس المجلس الأول للكونفدرالية
فإنه يلزم عشر سنوات أخرى على الأقل لتأسيس كونفدرالية
قفقاسية بالمعنى الحقيقي للكلمة و خلال هذه الفترة ينبغي
التوقيع على معاهدة فدرالية مع روسيا. رغم أن شنبه قد
اعتبر الشيشان علما للاستقلال في المنطقة إلا أنه قد تحدث
أيضا عن ضرورة محافظة الأعضاء الآخرين للكونفدرالية على
علاقاتهم مع روسيا لكسب الوقت
لقد كان هناك اتفاق بين الطرفين في المسائل العامة. و
قد أظهر الموقف الحالي من تحديد مستوى العلاقات الروسية
ـ القفقاسية مدى هذا الاختلاف : فالشيشانيون كانوا يريدون
الاستقلال الأمر الذي جعلهم يرفضون أي شكل من أشكال الانضواء
تحت الفدرالية الروسية. و اتهم دوداييف زعماء الكونفدرالية
بأنهم يتصرفون كما لو كانوا سياسيين تابعين لموسكو
لهذه
الأسباب مجتمعة كان موقف الكونفدرالية إزاء دخول روسيا
إلى الشيشان مختلفا عنه لدى الاحتلال الجورجي لأبخازيا.
و عقب دخول الوحدات الروسية الشيشان و في الكونغرس الطارئ
الذي عُقد في نالتشيك بتاريخ 11 كانون الأول 1994 قِيْلَ
بأن الدخول العسكري الروسي إلى الشيشان قد يؤدي إلى نشوب
حرب قفقاسية ـ روسية ثانية، و وُجِّه نداء إلى الشعوب
القفقاسية لمساعدة الشيشانيين الذين وجدوا أنفسهم وجها
لوجه أمام الهجوم الروسي و دافعوا عن أنفسهم. و لقد أُعلِمَ
بأن بعض الأشخاص في حكومة يلتسن يحيكون المؤامرات لتصعيد
الوضع العسكري و السياسي في الشيشان. دعت الكونفدرالية
الوحدة العليا في البرلمان الروسي و مجلس الفدرالية الروسية
لإجراء مباحثات مع الحكومة الشيشانية لحل الأزمة بالطرق
السياسية، إلا أن نداءات الكونفدرالية تلك ذهبت أدراج
الرياح. و قد تجنبت الكونفدرالية طوال حرب الشيشان التدخل
بشكل مباشر في النزاع الدائر هناك. و حتى لدى انتخاب يوسف
سوسلانبيكوف الشيشاني عام 1996 لرئاسة الكونفدرالية لم
يحدث التقارب المنتظر بين الإدارة الشيشانية و الكونفدرالية
ما
هو إذا السبب الأساسي للانفصال بين الشيشان و إدارة الكونفدرالية؟
و من هم أعضاء الكونفدرالية الآخرون القائلون بضرورة الحفاظ
على الارتباط بروسيا لكسب الوقت؟ و ما هي المخاوف التي
دفعتهم لسلوك منحا آخر يختلف عن الشيشانيين أثناء دراسة
العلاقات الروسية ـ القفقاسية و الإعداد لتخطيطها؟ في
الواقع، لم يكن الخلاف بين الشيشانيين و إدارة الكونفدرالية،
بل كان الخلاف الأساسي نابعا من المسائل التي لا يمكن
الاتفاق عليها بين كل من الأديغة الذين يدعمون الأوسيتين
الشماليين و الجنوبيين من جهة و بين الشيشانيين من جهة
أخرى
كان
الإسلام هو المفتاح الوحيد لوحدة شمال القفقاس حتى القرن
العشرين فشعوب شمال القفقاس في الوقت الحاضر لم تكن لتعير
بالا إلى تعبير "الانشغال بِهَمٍ قومي مشترك". فقد كان
النظام السوفييتي ـ و على الأخص في عهد ستالين ـ عاملا
فعالا في تكوين الوضع الراهن. و بهدف نزع المشاعر الدينية
و القضاء على النزعة القومية التي تهدد وحدة الدولة السوفيتية
تم تقسيم الشعوب باصطناع حدود عرقية كما حدث للأديغة.
ففي يومنا هذا توجد ثلاثة شعوب شركسية و هي : القبردي،
الشركس، الأديغة كما توجد أقليات من الشابسوغ و الأباظة
متفرعة عن الأديغة
نتيجة
لهذا كانت الفترة التي أعقبت المرحلة السوفيتية عبارة
عن فترة يقظة عرقية بعيدة كل البعد عن أن تكون فترة يقظة
قومية. فيما عدا بعض الاستثناءات، فقد تعلقت ـ سياسيا
ـ آمال شعوب شمال القفقاس القومية بإحياء النظام السابق
و لهذا السبب انصبت الجهود السياسية لهذه الشعوب على إعادة
التوحيد بين أفردا البنية العرقية الواحدة، ظهرت هذه النزعة
أيضا لدى كل من الأوسيتين الشماليين والجنوبيين و الأديغة.
و أيَّد كل من مجلس شعب القبردي وجمعية الأديغة و الكونغرس
القومي الأديغي بمشاركة الأديغة و الشابسوغ ـ المنتسبين
جميعا إلى الأديغة ـ فكرة العودة و التوحد على الأراضي
التي خلفها الأجداد. و قد كان سبب طلب الأبخاز الانضمام
إلى الفدرالية الروسية و كما يشرحه زوراق رئيس الشؤون
الخارجية الأبخازي هو وجود الأديغة و الأوسيتين ضمن هذه
الفدرالية الذين تربطهم بالأبخاز روابط عرقية و ثقافية
و لغوية
تُظهِر
هذه النزعة تقرب الأديغة و الأوسيتين من موسكو. فبذل الجهود
من أجل التوحد مع روسيا كان معناه حربا لا مفر منها مع
جورجيا. لهذا السبب لم يكونا ليجرؤا على الابتعاد عن روسيا
التي تمثل الخصم المحتمل لجورجيا. و من جهة أخرى فإن السبب
الرئيسي الذي اقلق جمهوريات الأديغة اليوم كان متعلقا
بالناحية الديموغرافية فلم يكن هناك أية مدينة داخل أراضي
جمهورية الأديغة تتواجد فيها أكثرية مما يخلق وضعا في
غاية الحساسية و لا سيما بالنسبة للقوزاق الذين يعيشون
في المنطقة
و من أجل عدم إثارة أي من الطرفين، عمل الأديغة على توخي
الحذر في تحركاتهم و ترجيح حب الوطن على العصبية القومية.
و كان من الأسباب الأساسية لتوجيه اللوم إلى دوداييف هو
تصرفه كقائد أكثر من تصرفه كرجل دولة. و في نفس الوقت
سعى الأديغة للحفاظ على علاقات جيدة مع موسكو لأنهم يعتقدون
أن هذا الأمر سوف يُمكِّنهم من الاستفادة من البنية الفدرالية
لروسيا و يمنحهم بعض المنافع الثقافية و الاقتصادية بل
و حتى التكنولوجية
كان موقف دوداييف إزاء السكان غير المسلمين في المنطقة
معتدلا إذ لم ليُقسِّمها إلى شمال و جنوب حسب الفروق الدينية،
كما أنه قد أعرب عام 1991عن عزمه على إنشاء جيش قفقاسي
موحد لضمان وحدة دول القفقاس بفضل هذا كان يمكن ضم قسم
كبير من القوزاق القاطنين في مناطق ستافروبول و كوبان
و فولغوغراد و روستو إلى النفوذ القفقاسي إلا أن الفعاليات
الإسلامية في السياسة الشيشانية قد ازدادت مع مرور الزمن
الأمر الذي أدى إلى تغيير نظرة القوزاق إلى هذه المنظمات
فعلى سبيل المثال و في شهر أيار من عام 1993 أعلن ستارادوبتسيف
زعيم الترسك أن اتفاقية ستافروبول للتعاون المشترك و التعاضد
التي وقّع عليها سابقا كلا من شيستوف ممثلا لقوزاق جنوب
روسيا و الكونفدرالية مناقضة للقانون. و مهما وجدنا في
يومنا هذا من تقارب بين الطرفين فإن السبب الوحيد له يعود
لكونهما قد وقفا جنبا إلى جنب ضد الجورجيين في الحرب الجورجية
ـ الأبخازية. كما أدى تغيير الحدود بين منطقتي الأديغة
و كراسنودار عام 1994 إلى ازدياد العلاقات سوءا بين الطرفين.
فقد ادعى القوزاق أن هذه الفعاليات تشكل جزءا من الخطة
الخطيرة الهادفة لإنشاء خط لتواجد المسلمين يمتد من بحر
قزوين و حتى البحر الأسود
و
بالطبع فإن الإلحاد الذي خلفه السوفيتيون كان يمثل عائقا
آخر أمام الإسلام، فقد كان يُلاحظ أن المشاعر الدينية
التي كانت تؤجج نار الجهاد فيما مضى قد خفت حدتها بشكل
كبير بعد الفترة السوفيتية و لم تعد كسابق عهدها و على
الرغم من أن رئيس جمهورية الأديغة قد تحدث عن بدء تأثير
المشاعر الدينية على الشعب إلا أنه يعترف مع ذلك أن هذا
التأثير ينبع من المذاهب الدينية ليومنا هذا. و مع مرور
الوقت ظهرت فروق فكرية بين الشيشان و الكونفدرالية إذ
ادعى أعضاء الكونفدرالية الآخرون أن سبب عدم اتخاذ الكونفدرالية
موقفا فعالا في الحرب الشيشانية يعود إلى "عامل دوداييف".
كما شاع اعتقاد آخر يفيد بأن دوداييف ينوي فرض هيمنة شيشانية
على باقي شعوب شمال القفقاس، ففي بداية تشكيل الكونفدرالية
كان دوداييف يفكر بضرورة أن تكون الشيشان بشعبها و تاريخها
و اقتصادها و جغرافيتها السياسية طليعة رائدة على درب
وحدة و استقلال شمال القفقاس. كما كانت تتردد ادعاءات
تفيد بأن دوداييف يريد أن يصبح شامل الثاني في القفقاس.
و لقد استخدمت الكونفدرالية حمية دوداييف هذه للتغطية
على سياستها غير الفعالة. و حتى الأبخاز رفضوا الانضمام
إلى الحرب الشيشانية متذريعن "بعامل دوداييف"
لماذا
لم يحالف الكونفدرالية النجاح ؟
أظهرت
التطورات الحاصلة في الفترة التي أعقبت تأسيس الكونفدرالية
في شهر أيلول من عام 1992 أن جهود التوحيد التي تبذلها
كونفدرالية شعوب القفقاس كانت تقابل بدعم واسع النطاق
من الشعب. و اعتبارا من هذه المرحلة فإن عملية التوحيد
في القفقاس كانت تتم على قدم و ساق حسب ما بينته تقصيات
مجموعة عمل اللجنة الخاصة لما بين الأقاليم عام 1992 و
التي تشكل جزءا من البنية التحتية لمجلس الأمن التابع
للفدرالية الروسية. إلى جانب هذا فإن اختلاف الأهداف السياسية
لأعضاء "كونفدرالية شعوب القفقاس الجبلية" قد أدى إلى
عدم وضوح الغايات الأساسية بشكل من الأشكال
كانت
هذه الحقيقة تمثل عائقا كبيرا و من أكثر النقاط حساسية
بالنسبة لمستقبل الكونفدرالية، ففي الوقت الذي شعر فيه
الشيشانييون أن الكونفدرالية قد تكون أحد الطرق المؤدية
للاستقلال فإن إدارة الكونفدرالية لم تكن لترى نفسها بأكثر
من صيغة معينة تسعى لإنشاء عمل موحد و تعاون في المنطقة
على غرار الاتحاد الأوربي لذا فقد أظهرت الكونفدرالية
ردود فعل مختلفة للأزمات الثلاث و هي : الحرب الجورجية
ـ الأبخازية، النزاع بين الأوسيتين و الأنغوش، الحرب الشيشانية
ـ الروسية. كما أن موقفها السلبي في الحرب الشيشانية قد
أفقدها اعتبارها في نهاية المطاف
مع
هذا، لا يمكن تفسير موقف " كونفدرالية شعوب القفقاس الجبلية
" في الحرب الشيشانية على أنه مجرد اختلاف وجهات نظر بين
الشيشانيين و إدارة الكونفدرالية، كما يجب الأخذ بعين
الاعتبار العوامل التي ظهرت نتيجة البنية المعقدة للمنطقة.
لذا سنعمل في هذا البحث و عن طريق وضع أعمال الكونفدرالية
تحت المجهر و تحليل التغيرات الحركية في المنطقة على استقراء
نتائج مستقبلية
نظرا للمهمة التاريخية التي ألقيت على عاتق الكونفدرالية
فقد عقد عليها الشعب آمالا كبيرة و اعتقد أنها ستتمكن
من تحقيق ثلاثة أهداف كبرى تتمثل بما يلي
ـ توحيد الشعب القفقاسي بأكمله في دولة واحدة
ـ إنشاء نظام دفاعي مشترك ضد الاحتلال الأجنبي
ـ إيجاد الحلول لسوء التفاهم بين شعوب شمال القفقاس
بذلت
الإدارة الشيشانية الجهود الحثيثة لتحقيق اثنين من هذه
الأهداف إلا أنه كان يوجد عائقان هامان إلى جانب الفروق
السياسية في تاريخ الشعوب الأعضاء أحدهما هو أن القرارات
الجذرية التي اتخذتها الكونفدرالية ما بين عامي 1989 ـ
1991 قد نتجت عن الفراغ السياسي الذي خلفه غياب سلطة الحكومة
المركزية أثناء الفترة التي تلت انهيار الاتحاد السوفيتي
و إنشاء الفدرالية الروسية. و رغم استمرار كافة ضغوط النظام
الأسبق في شمال القفقاس إلا أن حركات الاستقلال كانت تحظى
بدعم شعبي كبير حتى في جمهورتي القبردي ـ بلقار و داغستان.
و أفضل مثال على ذلك هو أحداث أيلول 1992 في نالتشيك.
و بالمقابل لم تقم أي من التشكيلات القومية أو بالأحرى
من أعضاء الكونفدرالية ـ فيما عدا الشيشان ـ بالاستفادة
من هذا الوضع لدعم موقفها. إذ تناقصت رقابة الإدارة المركزية
بعد عام 1992 كما لوحظ تغير في موقف موسكو التي فكرت أن
الكونفدرالية قد تكون عنصرا يحفظ لها توازنها أمام جورجيا.
نتيجة لهذا وضعت موسكو فعاليات الكونفدرالية تحت رقابتها
الأمر الذي أثر بشكل سلبي للغاية على الهدف الثاني للكونفدرالية
كان الشغل الشاغل للكونفدرالية هو الحصول على اعتراف وزارة
الشؤون الداخلية الروسية بها كتشكيل شرعي، في نفس الوقت
لم تكن القوات المسلحة التي حضرت للمشاركة في الحرب الأبخازية
لتبقى هناك بشكل دائم. لذا طالب شنبه بتأجيل هذا القرار
نظرا لكونه مخالفا للقوانين الفدرالية و المحلية الأمر
الذي أدى في نهاية المطاف إلى انهيار فكرة إنشاء نظام
دفاعي مشترك من أساسها. و بذا فإن الكونفدرالية تكون قد
أخفقت في ضم سائر شعوب القفقاس إلى بنيتها. و في الوقت
الذي لم يكن فيه الأعضاء الأديغة في الكونفدرالية يرغبون
في أن يكونوا آلة لتنفيذ مخططات دوداييف كانت هناك أقوام
أخرى تفكر أن هذا سيحفظ مصالح الأديغة في الكونفدرالية.
و لقد رفض كل من جماعة القراشاي و المجلس القومي للبلقار،
الذين كانت قد جرت بينهم و بين القبردي و الشراكسة سلسلة
من المشاكل بسبب التهجير، الانضمام إلى الكونفدرالية و
شكلوا بالمقابل جمعية الشعوب التركية باشتراك القموق و
النوغواي من الداغستان، و قد لاقت هذه الجمعية دعم الشيشانيين
و الأذريين، الأمر الذي أدى مع مرور الوقت إلى حدوث تقارب
بين هذه الشعوب المنحدرة من أصول تركية و الشيشان
إبان
الاحتلال الروسي للشيشان نشرت مجلة "النيوزويك" خبرا مفاده
أن محادثة هاتفية قد جرت بين سفيان بيباييف جنرال البلقار
و دوداييف لبحث إنشاء جبهة أخرى لمقاومة الروس. و من جانب
آخر فقد نشرت الصحف الروسية أخبارا تفيد بتدريب المجموعات
المسلحة التي تحت إمرة سلمان رادوييف لمجموعات من الرجال
في البلقار. هذا و لم تفلح الجهود المبذولة لإنشاء منبر
إقليمي يهدف إلى حل الخلافات في الكونفدرالية أو التكتلات
الطائفية أو تجاوز الانقسامات داخل الكونفدرالية
فهيم طاشتكين
ملاحظة
: أُخذت هذه
المقالة عن مقالة جيم أوغوظ الباحث في جامعة بيل كنت قسم
العلاقات الدولية، بيرسفون جريدة الشؤون الدولية نشرت
في حزيران ـ آب 1999 المجلد الرابع، العدد الثاني